"المواقع الجغرافية في فلسطين.. الأسماء العربية والتسميات العبرية"

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • "المواقع الجغرافية في فلسطين.. الأسماء العربية والتسميات العبرية"

 


     لم تقتصر عملية التدمير المنهجي التي مارستها الحركة الصهيونية في حق فلسطين شعباً وأرضاً على تحويل اكثر من 800 ألف فلسطيني لاجئين وسيطرة الأقلية اليهودية التي كانت تسكن فلسطين قبل 1948، والتي لم تكن نسبتها تتعدى أكثر من 35 في المئة من السكان على أراض تفوق مئة في المئة ما كانت تملكه (والتي لم تكن تتجاوز 7 في المئة من الأرض). وإنما تجاوزت ذلك إلى عملية تغيير كاملة لمعالم فلسطين الجغرافية والتاريخية-، وذلك بإقدام الحركة الصهيونية ومنذ عام 1878 بإطلاق أسماء عبرية توراتية على المواقع الفلسطينية في عملية "عبرنة" شاملة وجذرية لأسماء القرى والبلدات والأنهر والشوارع والسهول والآبار، وذلك بتسجيل هذه الأسماء على الخرائط والكتب وإدخالها إلى الاستخدام في الحياة اليومية.


     الكتاب المرجع الذي قام شكري العارف الباحث في تاريخ الشرق الأوسط بوضعه هو ثمرة جهد ومتابعة ومراقبة عن قرب، وهو ابن الجليل الأعلى، لما يقرب من 60 عاماً من التغيرات التي طرأت على التسميات العربية للمواقع في فلسطين.


      ولمعرفة الأهمية التي توليها "إسرائيل" للموضوع يكفي أن نعلم أن الوكالة اليهودية أنشأت بدءاً من عام 1922 لجنة تساعد المهاجرين على اختيار أسماء المستوطنات التي كانوا يؤسسونها. وخلال 26 عاماً جرى تغيير أسماء 216  موقعاً. وبالاستناد إلى المؤلف فمنذ عام 1948 وحتى 1951 غيرت اللجنة الحكومية أسماء 198 موقعاً آخر. ومنذ ذلك التاريخ ضم ديفيد بن غوريون اللجنة إلى ديوان رئيس الحكومة.


ولدى إلقاء نظرة على تركيبة هذه اللجنة ندرك الجهد الذي بذلته السلطات الإسرائيلية وتبذله لعملية التغيير المستمر بهدف محو الطابع العربي الفلسطيني عن أسماء المدن والشوارع، بما يشبه إعادة ولادة جديدة لهذه الأماكن كما لو أنها لم تعرف اسماً سابقاً لها، ولم تعرف سكاناً آخرين، ولم تشهد حياة مختلفة. إنها عملية قولبة تتم عبر مسح الزمن الماضي لهذه الأماكن واعتبارها ولدت من جديد مع ولادة الدولة العبرية.


     يشير المؤلف إلى أن اللجنة المكلفة بإعادة تسمية المواقع تتألف من 24 عضواً من خيرة العلماء اليهود في مجالات عدة مثل التاريخ والجغرافيا والتوراة والآثار واللغة والأدب. كما تشمل ممثلين عن جميع وزارات الدولة بالإضافة إلى الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي والجيش. ويقسم عمل هذه اللجنة إلى لجان فرعية مثل لجنة تاريخية تعالج أسماء الأماكن المختلفة مثل الخرايب والرسوم والتلال، وأخرى جغرافية وثالثة للمستوطنات وغير ذلك.واشتدت الحاجة بصورة خاصة إلى تغيير أسماء القرى الفلسطينية بعد تهجيرها من أهلها عام 1948، وذلك في أعقاب إقدام "إسرائيل" على بناء مستوطنات يهودية جديدة على دمار القرى  والبلدات الفلسطينية التي هجّرت آنذاك. ويشير الكاتب إلى أنه ما بين 1951 و1953 قامت هذه اللجنة بتغيير 560 اسماً عربياً إلى أسماء عبرية.


     في مقابل هذا الجهد المؤسسي الذي بذلته الأجهزة الصهيونية على امتداد أكثر من قرن في تغيير معالم فلسطين العربية وطمس أي هوية دالة على هذا التاريخ العربي المجتمعي والجغرافي، تقدم مؤسسة الدراسات الفلسطينية هذا الكتاب المرجع الذي يسجل بدقة وأمانة علمية فائقة رصداً بكل المواقع مصنفة بحسب تسميتها العربية ثم اللفظ باللغة الإنجليزية والتسمية العبرية ولفظها بالعربية، مع إحداثيات وملاحظات تاريخية وصفية لكل موقع من هذه المواقع، بحيث يصبح بالإمكان رسم خريطة لفلسطين بالإحداثيات عينها التي كانت قائمة قبل نحو ستين عاماً. وذلك لتعويض فقدان معالم خريطة فلسطين العربية التي بدأت شيئاً فشيئاً تغيب عن الصور والمراجع والكتب باستثناء بعض المراجع العربية التي ما زالت تحتفظ باسم فلسطين على خرائطها مع الاضطرار إلى استخدام الأسماء العبرية للمواقع ولو على مضض.


     كتاب "المواقع الجغرافية في فلسطين، الأسماء العربية والتسميات العبرية "ليس مجرد ثبت طوبوغرافي إحداثي موضوعي، وإنما يكتنف نواة عمل استثنائي ذي أهداف متعددة الجانب. في الدرجة الأولى يتوجه إلى الأجيال الفلسطينية التي لم تعرف فلسطين يوماًً. إلى أبناء الشتات الفلسطيني ليقول لهم إن لهم وطناً هو فلسطين وعليهم أن يتعرفوا عليه وألا ينسوه سواء تحقق حلم العودة أم لم يتحقق.

إنه عمل آخر لمؤسسة الدراسات الفلسطينية يدخل ضمن إطار المحافظة على التراث الفلسطيني من النسيان.


"لكي لا ننسى"، تحت هذا الشعار أصدرت مؤسسة الدراسات بإشراف الدكتور وليد الخالدي سلسلة من الكتب التوثيقية للتاريخ العربي الفلسطيني، مثل كتاب "قبل الشتات" وأسماء القرى  والبلدات التي دمرتها "إسرائيل" أثناء حرب 1948، بالإضافة إلى سلسلة كتب تتناول تاريخ فلسطين قبل النكبة.


      كتاب شكري العارف هو جهد أرشيفي آخر يضاف إلى هذا المسعى للمحافظة على الذاكرة العربية لفلسطين العربية، و"لكي لا ننسى". إنه كتاب ليذكرنا بأن أبو ديس البلدة التي لطالما طرح اسمها كعاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة لكونها أهم ضاحية من ضواحي القدس، هي قبل أن تكون معاليه أدوميم بحسب التسمية العبرية، بلدة سحيقة القدم، إذ تقوم على آثار بلدة رومانية اسمها بيت أبوديسون.

 فيها مغاور ونواويس، كما تحتوي على فخار يعود إلى العهدين الروماني والبيزنطي والعصر الوسيط والفترة العثمانية. وكانت آهلة بالسكان خلال الحكم العربي. وفي 1917 بلغ عدد سكانها 8975 نسمة. وقد دفن محمد عريقات قائد ثورة 1936 – 1939 في ساحة أبو ديس. أما مدينة أسدود أو أشدود بحسب اللفظ العبري فهي إحدى أهم المدن الفلسطينية منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد. في العهد الإسلامي أطلق عليها اسم مينة القلعة، وبعض الجغرافيين العرب سمّوها ازدود. وفي عام 1875 كان عدد سكانها 800 نسمة، وحينما احتلت ليلة 22 – 23 تشرين الأول 1948 قُُدِّر عدد سكانها بـ4620 نسمة.


لم يترك شكري العارف زاوية في فلسطين إلا وحددها ووصفها من الآبار إلى الأبواب والتلال والخانات والقلاع والصور والوحدات إلخ... وفي عمله المسحي الطوبوغرافي القائم على تعيين الإحداثيات لكل موقع من المواقع وتقديم لمحة تاريخية موجزة له بتغيراته السكانية عبر الاعصر، حمّل الكاتب عمله الكثير من الحنين إلى تلك المواقع. إنها دعوة للجيل الجديد للتعرف إلى الوطن الذي لم تتح له الفرصة يوماً لرؤيته بأم عينيه. وهو فرصة للتجول في بلدات فلسطين ما قبل النكبة ومرافئها، وفي الوقت عينه صرخة في ضمير كل عربي لما حل بكل هذه الأماكن بعد احتلالها وتحويل هويتها من عربية إلى عبرانية. إنه بصورة من الصور جردة جديدة بكل ما خسره الفلسطينيون  قبل 56 عاماً.


      كتاب المواقع الجغرافية في فلسطين شهادة أخرى موثقة لما كانت عليه فلسطين قبل أن يخسرها أهلها، وهو مساهمة أخرى تضيفها مؤسسة الدراسات إلى المكتبة الفلسطينية العربية في آن واحد.

عن صحيفة "النهار"اللبنانية

التعليق