الكتابة على الجدران: الحرية في عالم مليء بالقيود والممنوعات

تم نشره في الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • الكتابة على الجدران: الحرية في عالم مليء بالقيود والممنوعات


عمان - ..Sorry Claire هذا الاعتذار ليس مقطعا من أغنية أجنبية يرددها البعض..
إنها عبارة مرتجلة تنطق بما خفي من مشاعر في صدر مجهول مر لحظة من أمام جسر المشاة الذي يصادفك بعد مرورك من دوار المدينة الرياضية متجهاً نحو شارع الصحافة. وبما أن مرور هذا المجهول ليس عاديا بتاتا، فإنه ترك وراءه، على جدار الجسر المعلق في الهواء، ذلك الاعتذار.

   هذا ليس جديداً على سكان عمان. فقد بات من المألوف أن تشاهد العبارات المكتوبة على الجدران بدءاً من جدران الحمامات والبيوت، مروراً بجدران الأنفاق.. وانتهاء بالفتح الجديد في عالم "الشخبطة" على جدران جسور المشاة الذي قام به ذلك المجهول.

   قد يعتبر كثيرون هذا الكلام المكتوب على الجدران طبيعياً "في ظل تعدد القيود والممنوعات وغياب تنمية القضايا الشبابية وتفعيلها". إنه انفجار متوقع لطاقات الشباب ومكنوناتهم، وهذه المرة على شكل كتابات، غالباً ما تكون خربشات وتفريغا لشحنات في مختلف الحالات: عاطفية أو اجتماعية أو سياسية. طبعا لا يتم تفريغ الشحنات إلا "عندما يأتي المساء"، وفي سرية تامة، لأن الحيطان في هذا الوقت من اليوم عادة ما تكون غير خاضعة للمراقبة.

    ربما ليس المقام مناسباً لفتح ملف الشباب العاطلين عن العمل. لكن هذه "الشخبطات" ستعيدنا في الغالب إلى هذا الموضوع. فهذه الكتابات ربما تعود إلى مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل أو من هواة الشغب الذين اتخذوا من الليل ستاراً ليمارسوا صرخاتهم على جدران الأنفاق وجسور المشاة، في إساءة صارخة للقيمة الجمالية التي تعليها هذه الجدران.

الجمال في خطر
   أول ما يثيره منظر الحائط المرشوم بالشخبطات هو الاشئمزاز. فالمنظر أبعد ما يكون عن الجمال، وهو بالتالي مثال فاضح على البشاعة في أوضح صورها. يعلق على صيام (33 عاما) على هذا الأمر بالقول: "مثل هذه الكتابات ليست منظراً حضارياً. كما أنه يسيء إلى جمالية مدينة عمان"، مضيفاً أن" الغاية من جسر المشاة الذي لم يمض على بنائه فترة قليلة خدمة الناس وتسهيل عبور المشاة، وليس لإرسال رسالة من مجهول إلى حبيبته أو الاعتذار منها".

    أكثر ما يثير حنقا علي أن هنالك طرقا أخرى للاعتذار من "كلير" غير الكتابة على الجدار: "العبارة ملفتة للنظر لأنها اتخذت موقعاً مرتفعاً، لذا يمكن لكل المارين أسفل الجسر أن يروها. هذا يسيء إلى جمالية المدينة التي لطالما عرف عنها النظافة والجمال والتطور".

لكن اللافت للنظر إلى جانب زيادة كمية هذه الخربشات هو تنوعها. فهنالك خربشات تعكس الظلم الاجتماعي أو الهروب من قسوة الدنيا وظلم الحب، كما أن بعضها الآخر يعبر عن النقد السياسي أو الضغط الاقتصادي.

     ويعلق محمد حجازي ( 46 عاماً) على هذا بالقول إن "مثل هذه الكتابات اذا كانت عبارات ثقافية وتدل على الخلق الحسن لدى الناس فلا ضرر منها، أما العبارات أو الشعارات التي تحمل دلالات اجتماعية أو سياسية غير لائقة فهي تسيء إلى سمعتنا كمواطنين".

ويدعو حجازي إلى استغلال الجدران برسم الجداريات التي تجملها وتظهر موهبة الشباب والفنانين والمبدعين، مثل كتابة الشعر أو الرسم بدلاً من كتابة الخربشات والشعارات التي تمس المواطن وتسيء إلى البلد.

تأييد.. معارضة..
   وبين مؤيد ومعارض لمثل هذه الكتابات والشعارات التي تكتنف الطرافة والغرابة وتحمل في طياتها الكثير من الدلالات وأحياناً السخرية من الظلم، يضع حسن علي ( 50 عاماً) هذه الظاهرة في خانة "كل ممنوع مرغوب"، مبرراً سلوك هؤلاء الأشخاص بأنه "ملاذ للهروب من واقعهم المرير الا عن طريق هذا اللوح المفتوح أمامهم وخصوصاً بأنه يخلو من المراقبة".

ولا يعارض حسن مثل هذه الكتابات التي يعتبرها البعض وسيلتهم الوحيدة للتعبير والافصاح عن رفضهم لقضايا معينة، بغض النظر عن جانبها المسيء لجمالية الجدران.

    أما أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا سالم ساري فيعتبر هذه الكتابات على الجدران "نوعا من الثقافة الفرعية للشباب في فترة معينة، وهي غالباً ما تتصف هذه الثقافة بالسلبية والاغتراب أو الاستلاب". ويرى ساري أن "أكثر ما يميز أصحاب هذه الثقافة الفرعية هو الاحساس باللاقوة واللامعنى واللاتأثير، مضيفاً أنه في الستينيات كان هناك نوع من أنواع الرفض لقيم المجتمع السائدة في أميركا، ومنها الرفض للذهاب إلى حرب فيتنام، وكان يمثلها المتسكعون والمتشردون والهبيون، ولكنه كان رفضاً سلمياً للثقافة الأميركية السائدة. وكان حل هؤلاء الأشخاص الانسحاب من المشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي، والتعبير عن أنفسهم بمثل هذه الكتابات".

    ويشير ساري إلى أن "الكتابة على الجدران انتشرت في الستينيات في أنفاق المترو التي تملأ فرنسا، حيث تراكمت أدبيات للحائط وأدبيات للاحتجاج والرفض للمجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، لافتاً إلى أنها تمخضت عن ثورة الشباب في مايو 1968". ويرى ساري أن هؤلاء الأشخاص "يجب أن يجدوا لهم المكان الطبيعي للكتابة من خلال وسائل الاتصال الجماهيرية بشكل عام"، مبيناً بأنه سيسمع صوتهم سواء سلباً أم ايجاباً. ويضيف: "بدأنا ملاحظة بعض الكتابات على جدران المرافق العامة والأنفاق وجسور المشاة في العاصمة. وأرى انه يجب ربط هؤلاء الأشخاص بقضية تنموية أو شبابية، كمجلات الحائط".

   ويعتقد ساري أنه لولا "الحائط الجديد" لاستقبال الكتابات والاحاسيس والشعارات الذي ظهر في بعض تلفزيونات الفضائيات مؤخراً ممثلة بشريط الرسائل القصيرة "لامتلأت كل أنفاقنا بهذا النوع من الكتابات"، داعياً إلى "عدم المبالغة بشأن هذه الكتابات واعطائها أكثر من حجمها الحقيقي والا انتشرت وعمّت، لأنه من الطبيعي أن تبحث هذه القيم الشبابية عن مكان لها للمشاركة في المشهد الكلي".

التعليق