زواج الخطيفة عند الشركس: الحل عند انعدام السبل

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • زواج الخطيفة عند الشركس: الحل عند انعدام السبل

 

عمان - زواج الخطيفة عادة قديمة تميز بها الشركس. هي اختصار لاتفاق الفتاة مع احدى قريبات الشاب الذي تريد الزواج منه على الخروج من منزل اهلها والإقامة عند أحد اقارب العريس وعادة ما يكون من الوجهاء، لتسوية واتمام أمور زواجهما.

 

      وفي الأصل هناك اسباب تبرر اللجوء لهذه العادة، وهي ان يكون الشاب له اخوة اكبر منه سنا. فحسب العادات الشركسية لا يجوز ان يتجاوز الأخ الأصغر ايا من اخوانه الكبار في الزواج حفاظا على مشاعر هؤلاء الاخوة. ونفس المبدأ يطبق على الفتاة في حال وجود اخوات اكبر منها كما يعد نظام الطبقات الموجود في المجتمع الشركسي المقسم الى ثلاث طبقات (امراء - نبلاء - عامة) عائقا احيانا امام الزواج بطريقة تقليدية.

 

فبعض الأهل يمانعون الزواج من طبقة مختلفة. وفي مبرر آخر نجد ان اهل العريس قد يتقدمون لخطبة العروس بطريقة تقليدية. ولكن يطلبون من اهلها ان يعطوهم اياها بطريقة الخطيفة اختصارا للوقت والخطوات المعقدة كالخطوبة ثم كتب الكتاب ثم الزفاف. الا ان البعض يعتمد هذه الطريقة للزواج حتى ولو انعدمت هذه المبررات والأسباب.

 

       يرى رامي حينا انه لا داعي لوجود هذه المبررات. فهو شخصيا خطف زوجته رغم ان اباها عربي وامها شركسية، ولم يكن هناك اي من الأسباب التي تبرر زواج الخطيفة، ويقول: "احب هذه العادة منذ صغري. كما ان والدي خطف والدتي فقررت المضي قدما فيها. فقد تعرفت على زوجتي واحببنا بعضنا. لم احاول خطبتها تقليديا، واذكر اننا كنا سويا وفجأة قلت لها اريد ان اخطفك الليلة واخذتها فورا لمنزل عمتي الكبيرة التي استقبلتها بدورها ثم بلغت والدي ليقوم عمي بعد ذلك بتبليغ والدها، بينما ذهبت انا لبيت جاري، وفي ذات الليلة توجهت جاهة صغيرة لمنزل والدها لتحديد موعد كتب الكتاب". ويضيف حينا بأنهم لم يتمموا مراسم زواج الخطيفة. فقد ذهب بعد عقد القران إلى بيت والديه مع زوجته، ولم يمتنع عن رؤيتهم وفق ما تفرضه العادات.

 

     وعن تكاليف الزواج يؤكد رامي انها قليلة جدا عند الشركس. فحاليا اصبحت 150 دينارا للمهر و300 للمتأخر، وهي بهذا مرتفعة عما كانت عليه في الأعوام السابقة. والان وبعد مضي 12 عاما على زواجه يقول انه وزوجته يتذكران دائما تفاصيل "الخطيفة" ويحكونها للناس على اعتبار أنها ذكرى جميلة.

 

      وكما قال لنا رامي، فإن والده غازي امين حينا تزوج بطريقة الخطيفة أيضا. فهو بعد تعرفه على زوجته بثلاثة ايام اتفق معها على ان يخطفها. يقول انه لم يكن متأكدا من موافقتها الا انه اعطاها موعدا وذهب مع اخوه واخته واخذها ليودعها في بيت احد الوجهاء والذين بلغوا اهلها بدورهم. وبعد اتمام مراسم عقد القران توجهت عروسه إلى بيت اهله، وكان يتواجد معها ليلا ثم يغادر في الصباح الباكر حتى لا يراه والداه متبعا بذلك العادات الخاصة بالخطيفة بعكس ولده.

 

     وعن العادات المتبعة عند القيام بزواج الخطيفة تحدثنا امينة سر الفرع النسائي للجمعية الخيرية الشركسية سابقا منتهى نغوي بارطو قائلة: "هذا الزواج يطلق عليه المستعجل او المستعجلة. وتسميته بالخطيفة خطأ. والاستعجال يأتي كصفة تتبع العروس او العريس لرغبتهم في اتمامه بسرعة". اما عن الخطوات المفترض القيام بها لاتمام هذا الزواج فتقول: "يتفق الطرفان على موعد محدد، وتأتي اخت العريس او ابنة عمه وصديقه او احد اقاربه الشباب لاخذ العروس. ولكن يجب ان تكون الزوجة قد بلّغت احدا من عائلتها بنيتها.

 

 وفي هذا الوقت يكون العريس اتفق مع احد الوجهاء مبلغا اياه بأنه سيحضر له امانة ويسميها "بنت فلان"، ليقوم اهل هذا البيت باستقبالها لاحقا كدخيلة. وعندئذ يبلغ الوجيه اهل الفتاة بأنها في بيته طالبا منهم تحديد موعد عقد القرآن. فيقوم الأهل بارسال احدى نساء العائلة الموثوق بهن لتتأكد من رغبة الفتاة بالزواج من هذا الشاب وعدم تعرضها لأية ضغوط. كما توضح لها كل ما تعرفه عن العريس وعائلته، وعندها تعيد سؤالها "هل تريدينه؟"، فاذا اجابت العروس بنعم تبقى. في هذه الأثناء يمنع العريس من رؤية العروس او التحدث اليها بتاتا". وتتابع: "يتوجه العريس بدوره كأمانة الى بيت اخر، وهنا يصبح الأهل تحت الأمر الواقع. وبعد عقد القران تخرج العروس من البيت الذي دخلته كأنها تخرج من بيت والدها كما يتكفل صاحب البيت الذي كانت بضيافته بكافة مصاريف العروس كفستان الزفاف وكل ما يتبع من لوازم".

 

       ووفق هذا تصبح العملية اسلامية شرعية كأي زواج ولا غبار عليها. فهي تهدف للتوفيق بين حبيبين، ولا يسمح للعريس برؤية زوجته حتى تذهب لبيت اهله. وبعد عقد القران يجتمع الأهل ويقيمون "الفنطزية" ثم يأخذون العروس ومعها مرافقتها "الاشبينة" إلى بيت اهل عريسها، ولا ترى احدا من اهل بيته، ثم يحدد الأهل يوما لمباركة الأقارب والذي تلبس فيه العروس الأبيض وتظهر امام حماها وحماتها وكل نساء العائلة الذين يفردون لها قطعة من الحرير ممتدة من غرفتها وحتى مكان جلوسهن ووجهها مغطى بالطرحة، فينثرن عليها الملبس والنقود وعند وصولها للحجرة التي تضم حماتها ونساء العائلة تقوم الحماة بالكشف عن وجه "كنتها"، فتُقبّل العروس أيديهن ويقدمون لها الهدايا وتغني لها إحداهن أغنية خاصة ويلاطفنها ويدعون لها بكل خير، كما يطلون شفاهها بالسمن او الزبدة. اما لسانها فيضعون عليه عسلا ليكون لسانها عسلا وحديثها بطراوة الزبدة.

 

      العريس في هذه الفترة يأتي ليلا لقضاء الليلة مع عروسه ليعود صباحا إلى البيت الذي كان فيه، ثم يقام حفل اخر بمناسبة عودته لبيته، تقدم فيه "الحلفا" وهي اكلة شركسية تشبه الـ "سمبوسك" ويغطي العريس وجهه بشكل رمزي عند عودته لبيت اهله ويسألون والده على سبيل المزاح هل تعرف هذا الشاب؟ ثم ينزع العريس لثامه وتعود الأمور الى طبيعتها بداخل المنزل.

 

     وتؤكد بارطو اعتزاز الشركس بهذه العادة وبأنهم يعتبرونها قمة الحضارة. فهي برأيها افضل من الوقوع في الخطأ والانحراف في طرق غير شرعية.كما ويشترك الشيشان مع الشركس ببعض العادات والتقاليد، ومنها زواج الخطيفة باختلاف طفيف بخطوات الزواج. وفي حالة مختلفة عادت بها العروس المختطفة الى بيت اهلها ولم يتم الزواج.

 

 يحدثنا ابراهيم بينو وهو شيشاني إلى أنه اتفق مع فتاة ان يخطفها ليتزوجوا بسبب رفض اهلها وبعد تحديد الموعد واخذ العروس الى بيت احد اقربائه بلغ اهلها الا انهم لم يستسيغوا هذا الزواج ولم يرضخوا للأمر الواقع كما يحصل عادة ويقول: "ارسلوا لأبنتهم اقاربها ليقولوا لها ان امها في غيبوبة ليشعروها بالذنب، كما انطلقت الشائعات المغرضة من حولنا ما جعلها تتردد وبالنسبة لي شخصيا لم ارد ان اخوض تجربة جديدة فاشلة في حياتي كوني كنت متزوجا وانفصلت عن زوجتي بالطلاق ولكنه يعود ويؤكد بأن كل شيء قسمة ونصيب وانهما لن يستسلما بعد تعاهدهما على الزواج.

 

      في حين يرى وزير الدولة للشؤون القانونية والبرلمانية سابقا عبدالباقي جمو الذي يعارض هذا الزواج ،انه لا يحافظ على كرامة العروس كما انه يضعف موقفها امام زوجها واهله في المستقبل مشيرا الى ان الزواج التقليدي الذي يتم بخطبة رسمية من اهلها و مهر واتفاق ..الخ يبقى الأفضل ،وينوه جمو الى ان زواج الخطيفة عنوان لمضمون اخر بقوله:"ليست الخطيفة بمعنى ان يأتي العريس ويخطف عروسه من يدها بل هي حل اخير يقوم به الطرفان بسبب اعتراض احد من افراد اسرة الفتاة قد يكون الأب او الأم او الأخ احيانا ،ونعت هذا الزواج بالخطيفة يأتي من خروجها بدون المراسم المتعارف عليها ،وهنا لا بد من الاشارة الى بعض حسنات هذا الزواج غير المخالف للشرع، فهو يحفظ الفتاة من الانسياق وراء الزواج العرفي او اقامة دعوى قضائية امام القاضي في حالة رفض اهلها مما يضطر القاضي لأن يصبح وليها ويزوجها بدون رضا والدها"ولكنه يؤكد رفضه لهذا الزواج مشددا على نصيحته للفتيات برفض هذا الزواج والا تخرج من بيت ابيها الا بعد موافقتهم واتمام المراسم جميعها لأن المحبة لا تدوم بنفس القوة والعنفوان الذي كانت به ببداية الزواج وعند وقوع خلاف قد يهينها زوجها ويعايرها بخروجها من غير موافقة والديها كما ان اهلها قد يقاطعونها "ويختتم جمو حديثه بالقول:"حاليا اصبحت هذه الطريقة شبه معدومة ولا احد يرضى بها وما دام العريس كفؤا ومناسبا فلن يعترض الوالدان فاعتراضهما عادة يكون من منطلق الخوف على ابنتهم وادراكهم للأمور بدرجة وعي اكبر نظرا للسن وتجارب الحياة والخبرة"

التعليق