كشك ابو علي .. منتدى أردني للثقافة والسياسة

تم نشره في الأحد 2 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • كشك ابو علي .. منتدى أردني للثقافة والسياسة

في نقطة تقاطع صغيرة للثقافة العربية ما زال البحث عن الاتجاه مستمرا.


هنا, في كشك الثقافة العربية, وهو محل صغير لبيع الكتب في وسط عمان, يقف حسن البير, وهو رجل يعيش على الكتب وينوي الموت بينها, مردداً عبارة يعتبرها حكمة خالدة "العقل فقط يمكنه ان ينتصر على الكلاشينكوف." كما ظل يفعل لعقود.

الحرب مشتعلة في العراق والصراع الفلسطيني الاسرائيلي يمضي بلا توقف, ومع ذلك يصف البير وهو في الثالثة والستين من عمره نفسه بالمتفائل، هو الشهير باسم ابوعلي والذي يعد احد ابطال الثقافة العربية المنسية عبر عقود من الاضطراب. وعن موقعه هذا يجري نقاشات يومية مع زبائنه حول مستقبل العالم العربي محرضاً, محكماً وآملاً في توجيه بحثهم الى اتجاه جديد.

"من اين اتى هؤلاء المتطرفون والاصوليون"? يتساءل ابو علي بنبرة خطابية.

كيف وصلنا الى مرحلة يعدم فيها الناس على شاشات التلفزيون في الفترات المسائية". وهو يلقي جزءا من اللوم على اميركا, ولكن بشكل اكبر على اصدقائه وجيرانه العرب. "السبب الرئيسي لذلك هو تكبيح العقول والافواه".

يعمل البير في تفتيح العقول. فعلى مدى 33 عاماً ظل كشكه مركزاً للثقافة والعمل الكتابي العربي. ويتميز كشك ابو علي عن غيره من الاكشاك التي تبيع الصحف في الشارع نفسه فهو مخزن للكتب اولاً ومنتدى مفتوح ثانياً, وارض للقاء الطبقة المثقفة في عمان والتي تضخمت في ايام انتعاش القومية العربية.

الكتب المستقلة فوق بعضها وعلى محيط الكشك في اعتقاده تتضمن اجوبة على الاسئلة التي تثور في العالم العربي اليوم, فأعمال الكتاب العرب المعروفين امثال نجيب محفوظ المصري الحائز على جائزة نوبل للاداب ومحمود درويش الشاعر الفلسطيني, تشير الى موقع العرب وما يطمحون اليه.

كما يمكنك ايجاد اعمال كتبت للتحريض بقدر ما كتبت للتبصير.. ترجمة عربية للتلمود, لمذكرات هنري كيسنجر ولكتاب مايكل مور "رجال بيض اغبياء".
يبدأ معظم الزبائن حديثهم مع ابو علي بالسؤال "ماذا لديك لتعطيني يا ابو علي?" يلتقط مجموعة قصصية ويعطيها لامرأة وكتاب لمؤلف فلسطيني يعطيه لرجل متوسط العمر.

الاذواق متباينة بقدر ما هي خاصة, ولكن هذا سبب في ان زبائنه يواصلون العودة اليه, وسرعان ما يبدأون الحديث.

"الان انا مع الرأي القائل ان الاميركيين اولاد زنا, اولاد حرام بالمطلق". يقول رجل عرف نفسه باسم ابو الياس يعمل فاحصاً للنظر. "لقد دمرنا, ومزقنا.. ثقافياً وعاطفياً وشخصياً. ولكن تذكر ان هناك نهاراً بعد كل ليل".

"الا تعتقد اننا شركاء في المسؤولية!" يسأل احد المتفرجين. "واصل حديثك" يقول ابو علي مشجعاً.

"بالطبع, المشكلة فينا.. الفقر الديكتاتورية" يقول ابو الياس رافعاً صوته باحباط. "ولكن اي بلد يرسل قواته علناً عبر العالم للاستيلاء على بلد اخر لا يزيد على كونه مستعمراً". "قلها" يضيف ابو علي.

ماذا عن كل هؤلاء الديكتاتوريين وهذه الابوة!" يواصل قائلاً.

"هذه هي المشكلة" يقول ابو الياس. لقد غفرنا عقدنا عليهم الامل ولكنهم خذلونا جميعاً. غير ان ثقافتنا ستبقى".

في النهاية فان ابو الياس يبيع التفاؤل..

بيوم افضل, بفهم افضل, بعالم يتقدم ولا يتراجع. وهذا ما يجعل حديث اناس مثل ابو الياس اقرب الى ان يكون رثاء كما يلاحظ. بدت المنطقة وكأنها كانت تحصل على مكاسب قبل الحادي عشر من ايلول 2001 اما الان فان هذه المكاسب تحت ركام النزاع في العراق, يقول ابو علي.

"لو لم تحدث مشاكل العراق وافغانستان لكان اداؤنا جيداً" يقول: ثم يضيف "كنا في الطريق" اما الان فالعراق مثل للمهانة في المنطقة. كل من يتحدث عن الاصلاح يندرج في المعسكر الاميركي, لذا فهو يفتقد تقدير الشارع, حتى اناس مثله يشعرون, بأن عليهم ان يكونوا اكثر حذراً في لغتهم.

جزء من اطروحة ابو علي هو ان الناس لا يقرأون مثلما كانوا سابقاً. ومستويات المعيشة المتدنية وارتفاع اسعار الكتب جعلتها ترفاً, والمكتبات التي تعير الكتب قليلة في السبعينات كان الدينار الاردني يساوي ثلاثة دولارات بمعايير اليوم وتشتري ثلاثة كتب يقول ابو علي, ولكن اليوم يشتري الشخص كتاباً بعشرة دنانير.. وفوق ذلك فانه لا يستفيد منه كثيراً.

العمل في بيع الكتب اليوم ظلال لما كان سابقاً, فأبو علي لا يكاد يبيع بما قيمته 100 دولار, وهو المشهور. وفي الواقع, فان بيع الصحف يشكل معظم عمله, كما يعترف, لقد تأكد من ان ابناءه التسعة وكلهم خريجو كليات, لن يعملوا معه.
تدخل امرأة وتستمع اليها الحديث وتعلق "كل ما يفعلونه هو الحديث عن التاريخ. نريد الحديث عن المستقبل", وتضيف "الانسان العربي ضائع, وهو لا يعرف الى اين يتجه".

مع كل هذا الحديث يصر ابو علي الا رغبة لديه في السياسة, هكذا مضت الامور في الطريق الخطأ. ما يفتقد في السنوات الاخيرة هو الاحساس بالثقافة والتاريخ, كما يقول, وعلى الرغم من الحديث عن السياسة في كشكه, فان الكتب فيه تدور اساسا حول الثقافة والفن والفلسفة. وفي العام 2002 منحه الملك عبدالله الثاني ميدالية فضية تقديراً له على دعمه للثقافة العربية.

"انا لا اتعامل مع السياسة بل مع الثقافة, يقول ولكن مجرد وجود كشك الثقافة امر سياسي, فهو حين وصل عمان لاجئاً من فلسطين عام 1948 عمل بائعاً للصحف تاركا المدرسة بعد الصف الخامس. وفي العام 1971 وفي ذروة الحماس القومي العربي, حصل من نقابة الصحفيين الاردنيين على كشك مساحته 9 اقدام حيث استأجره وبقي فيه منذ ذلك الوقت. وقد فتح كشكه هذا في وقت كانت فيه الاحزاب السياسية والمثقفون يذرعون شوارع وسط المدينة متحدثين عن الوحدة العربية والهوية. وهو لا يزال يذكر اليوم الذي توقف فيه الملك حسين ليشتري منه صحيفة: وكان الكتاب والمفكرون العرب زوارا دائمين لديه.

وفيما كان يرتب صحفه في مساء احد الايام, وقف ابو علي متأملاً. اتكأ على الجدار ونظر الى الشارع الصاخب. "الناس يخشون الحديث, حتى وانا اتحدث اليك فانني اشعر بالخوف".

"ليس الخوف من الحكومة بالضبط, بل من العنف على ايدي اولئك الذين اغلقوا عقولهم , لم يمر يوم كان فيه التفاؤل اكثر صعوبة. يعترف ابو علي, ولكنه ينتظر زبائنه, املاً ان يمر هذا ايضاً.


نيويورك تايمز

حسن فتاح

التعليق