الغول ثالث المستحيلات "مخلوق خيالي لم تحكمه الطبيعة يغلب عليه الظهور بهيئة الأنثى"

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 09:00 صباحاً

قالوا: إن الحياة في التيه وفي القفار والبوادي  كانت تثير في النفس الانفعال ، وتدفع إلى تداعي التصور والخيال في عالم ما وراء المحسوس من الجن والشياطين والغيلان. وقالوا انه يظهر بصورة ذكر أو أنثى غير انه يغلب عليه الظهور في هيئة الأنثى  ولها رجلا عنز وتنهق بصوت عالٍ.

        و أخبر الكبار في سالف الأزمان عن الغول، فقالوا: انه يظهر في كل خربة وخلوة.. وفي أول الدرب، يأخذ  الأطفال... وقالوا الكثير لأطفالهم عنه ، وانه سيأتي غولا  أو "أم العوافي" إذا تعارضت رغائب الأهل مع أطفالهم... كما اخبروا  بأنه كائن لا مخبأ له يحتمل له أن  يظهر في كل مكان لكنهم وضعوا لرؤياه شروطا

       اخبرونا في القرية أن أحدهم حين جاوز– المقبرة-  لم يقرأ الفاتحة ولم يسلم على الموتى كما يتطلب الموقف ولم يمش بوقار فظهر له الغول  من باب إحدى المغاور فأصابه المس... واخبر سليمان رقيبات أن أحدهم لما جاوز "الشقيق" - وهي منطقة على الطريق المؤدية للكرك من جهة مأدبا،- نزل وادي الهيدان، هناك توضأ ثم صلى فأراح الجسد فرأى الغول يبدو من باب المغارة، لكن  صاحبه هذا لم يصبه الغول بضر، إذا خاطبه الغول قائلا: لقد حمتك صلاتك كما انك تمر كل يوم في طريقك دون وجل... وهنا  يبدو أن الألفة قد حصلت ؟؟؟

     في الشمال الأردني يأتي الغول من قاع شجرة معمرة خلف " صيرة " – وهي جدار من الحجر المعمر -  أو سنسلة، وقد يبدو في ليل مظلم خلف رجم من حجارة تراكمت بفعل رجمة فاستحال على الناس ولا زالوا ينتظرونه...أما السلطيون فيتوقعون الغول في صورته الأنثوية وتتحدث ذاكرتهم عن الغولة..

الشاعر محمد عبيد الله قال : إن الغول مرتبط في الثقافة القروية وعند تفحص ذاكرته الشعرية نجد ان يقول في قصيدة تحمل عنوان "عزلة" ما يلي:

"عند تخوم القرى
ناحت الريح في جوفها
روعت أطفالها
أسلمتهم لما في المدى
من ظلام
وللغول في الذاكرة"


بالنظر  إلى ثقافات الشعوب الأخرى نجد أن الغول يتخذ موقعة في الهوية الشعبية والذاكرة الجمعية ففي الغرب يسمونه  ghoul  إذ يخبر موقع المعلومات العنكبوتي    google بأن الغول له معنى الروح الشريرة او الشبح، ويضيف المصدر ذاته أنه يظهر بصورة شخص في الليل بوقت العواصف والليالي الداكنة السواد  فيسطو على المقابر ويسرق الجثث المدفونة للتوا ويبيعها.

    ودخل الغول دائرة الصراع السياسي بين الشعوب وربط أحدهم بين اليهود والغيلان، ربما لان الجنسين ضائعين في معادلة الوجود والحقيقة، وربما لأن الاثنين مفترسان، وربما لأنهما يعيشان على الجثث وربما لان الاثنين خرجا من جنسهما وطبعهما وربما لأنهما يعشقان رائحة الدماء وربما  لانهما كل ذلك.....
الغول والسلعاة  في مروج الذهب

         زخر كتاب " مروج الذهب  ومعادن الجوهر" لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي(  توفي عام 345هـ / 956م ) لمعتقدات الشعبية التي اعتقد بها العرب قبل الإسلام خاصة ، وكان للدين الإسلامي الحنيف رأي في بعضها حيث جبها ونهى عنها ، وبقى قسم كبير آخر من هذه المعتقدات التي يقف المسعودي من بعضها موقف المحايد ، وهو قد يرفض قسماً منها ، وقد يقبل قسماً آخر ، ولكنه في كل الأحوال يشير بأن ما ذكره قد لا يكون حقيقة بقوله: والله أعلم . وفي هذا دليل على موضوعية عالمنا العربي , والمسعودي وشدة حذره في إيراد أفكاره الكثيرة المتشعبة الغزيرة .

         وتحاول هذه القراءة  المقتضبة أن تقف عند بعض ما ورد في كتاب ( مروج الذهب ) من أفكار ومعتقدات شعبية مقارنة إياها بالمعتقدات الشعبية المترسبة في أفكارنا حتى اليوم ولاسيما في أفكار الناس ممن توارثوا هذه المعتقدات من غير أن يناقشوها ، بل تقبلوها على أنها حقائق لا نقاش فيها .

            يضاف إلى هذه محاولة المقارنة بين ما وجد لدى العرب من هذه المعتقدات وما وصلنا عن الأوربيين في هذا الشأن ، إذ نقلوا معتقدات عن شعوبهم تقترب كثيراً مما اعتقد به العرب ، وهذا ينم عن حقيقة يتسم بها المعتقد الشعبي ، وهي أنه قد يوجد في بيئات مختلفة متباعدة ، مثله مثل النبات الطبيعي المتشابه على الرغم من اختلاف المكان وتباعده .

         وقد انتبه بعض المؤرخين إلى  أهمية ما أورده المسعودي  عن معتقدات الشعوب ولعل الصورة الشعبية البارزة التي تطالعنا في ( مروج الذهب ) هي صورة الغول والسعلاة ، لاسيما وأن الغول والسعلاة لهما امتداد واضح في معتقدات الناس في عصرنا وإلى وقت قريب ، وقد أفرد الرجل  في مروج الذهب حقلاً تحت عنوان ( ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول وما لحق بهذا الباب ) حيث أورد أن الغيلان والسعالي تظهر في الخلوات ، وهي تستطيع أن تظهر في هيئات شتى ، ولذلك قيل فيها :

 فما تدوم على حال تكون بها        كما تلون في أثوابها الغول

وقال فيها تأبط شراً :

وأدهم قد جبت جلبابه          كما اجتابت الكاعب الخيعلا
فأصبحت والغول لي جارة          فيا جارتي أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها فالتوت          بوجه تغول .. فاستغولا
فمن كان يسأل عن جارتي         فإن لها باللوى منزلا

       ويبدو أنها تظهر على شكل أنثى وذكر ولكنها تبدو في هيئة الأنثى في أغلب الأحيان ، ولكن لها رجلي عنزة لذلك قيل فيها :

يا رجل عنز انهقي نهيقاً            لن تنزلي السبيل والطريقا

        وهي شريرة إذ تحاول أن تسخر من الناس وأن تعبث بهم وأن تضلهم عن طريقهم ، فيتيهون في الصحاري ، وكانت العرب قبل الإسلام تزعم عن الغيلان توقد بالليل للعبث والتحيل واختلال السابلة ، قال أبو المطراب :

فلله در الغول أي رفيقة          لصاحب قفر حالف ، وهو معبر
ارنت بلحن بعد لحن وأوقدت          حوالي نيرانا تلوح .. وتزهر

وقد فرقوا بين السعلاة والغول ، قال عبيد :

وساخرة مني ولو أن عينها         رأت ما رأت عيني من الهول جنت
أبيت بسعلاة وغول بقفرة         إذا الليل وارى اللحن فيه ارنت

وقد وصفها بعضهم فقال :

وحافر العنز في ساق مدملجة         وجفن عين خلاف الانس بالطول

وعلى الرغم مما ذكره المسعودي من أن العرب فرقوا بين السعلاة والغول ، فإن صورتهما متقاربة ، وليس هناك ما يميز الغول عن السعلاة ، فالسعلاة توصف بأنها تتقلب في هيئات مختلفة وأن لها عينين بالطول وأن رجليها رجلا عنز ، ومثل هذا يقال عن الغول  .

* الغول في المعتقدات الشعبية

        حسب وصف المسعودي يبدو أن هناك أسماء لكائنات أخرى لا تختلف عن السعالي والغيلان في أنها غريبة الأطوار ، وأنها تظهر في صورة مختلفة ، ومن أطرف ما ذكره في المعتقدات الشعبية أن : للناس كلاماً كثيراً في الغيلان والشياطين والمردة والجن والقرب والقدار ( وهو نوع من الأنواع المشيطنة يعرف بهذا الاسم يظهر في أكتاف اليمن والتهائم وأعالي صعيد مصر ) وأنه ربما يلحق الإنسان فيموت وربما يتوارى للإنسان فيذعره ,  فإن كان مذعوراً أسكن روعه وشجع مما ناله ، وذلك أن الإنسان إذا عاين ذلك سقط مغشياً عليه ، ومنهم من يظهر له ذلك ، فلا يكترث به لشهامة قلبه وشجاعة نفسه ).

         ويحاول ( المسعودي ) أن يتقصى وجهات نظر قيلت في هذا الشأن وهي مستمدة جميعاً من معتقدات شعبية ، فيقول أن بعض المتفلسفين اعتقد :" بأن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان لم تحكمه الطبيعة وأنه لما خرج منفرداً في نفسه وهيئته توحش في مسكنه ، فطلب القفار ، وهو يناسب الإنسان والحيوان البهيمي في الشكل ، وقد ذهبت طوائف من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائباً من الكواكب عند طلوعها قبل طلوع الكوكب المعروف بكلب المبار وهي الشعري العبور ، وإن ذلك يحدث داء في الكلاب وسهيل في الحمل والذئب في الدب ، وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحاري وغيرها من العالم فتسميه عوام الناس غولاً وهي ثمانية وأربعون كوكباً ، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر ، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير في النجوم وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة "

         وأما الاخباري وهب بن منبه و كاتب السيرة  النبوية محمد ابن اسحق  فإنهما يعتقدان بأن الله سبحانه وتعالى خلق الجان من نار السموم ، خلق منه زوجه كما خلق حواء من آدم :" وإن الجان غشيها فحملت منه وأنها باضت إحدى وثلاثين بيضة وأن بيضة تفلقت من تلك البيض عن قطربة ، وهي أم القطارب وأن القطربة على صورة الهرة ، وأن الأبالسة من بيضة أخرى منهم الحرث أو بمرة وأن مسكنهم الجزائر وأن الغيلان من بيضة أخرى مسكنهم الخرابات والفلوات ، وأن السعالي من بيضة أخرى سكنوا الحمامات والمزابل ، وأن الهوام من بيضة أخرى سكنوا الهواء في صورة الحيات ذوات أجنحة يطيرون هنالك ".

* علة الظهور في السفر

          إن محصلة الذاكرة الجمعية للشعوب تحمل الكثير من أخبار الوحوش والغيلان وما من شك في أن هناك صلة نسب بين السعالي والغيلان المردة والهواتف والجان عامة ، فهي جميعاً تبدو أحياناً في هيئات متقاربة ، وإن امتلك بعضها خصوصية معينة هي من نسج الخيال الشعبي ، وقد ثبت المسعودي رأياً منطقياً في سر ظهور الهواتف والجان للمسافرين في الفيافي والقفار البعيدة ، وهو ينطبق على بقية الأنماط وأعني بها السعالي والغيلان والمردة ..فهو يقول :  " وقد تنازع الناس في الهواتف والجان ، فذكر فريق منهم وقال : أن ما تذكره العرب وتنبئ به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار والتفرد في الأودية والسلوك في المهامة والمرورات الموحشة ، لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن يوجد له تفكر ووجل وجبن ، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية والسوداوية الفاسدة ، فصورت له الأصوات ومثلت له الأشخاص وأوهمته المحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس ، وقطب ذلك وأسه سوء التفكير وخروجه على غير نظام قوي في طريق مستقيم سليم ,لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المرورات مستشعر للمخاوف متوهم للمتالف متوقع للحتوف لقوة الظنون الفاسدة على فكرة وانغراسها في نفسه فتوهم ما يحكيه من هتف الهواتف به واعتراض الجان له ".

     وفي هذا الرأي رؤية يحاول المسعودي الربط بين العلة والسبب الأساس لهذه التصورات والأخيلة ، ولكنه بعد أن أعطى رأيه هذا لا يكف عن إيراد الحكايات التي يتناقلها الناس آنذاك على أنها حقائق حصلت فعلاً في عالم الواقع ، ومن هذه الحكايات ما ذكر عن علقمة بن صفوان بن أمية بن محدث الكناني جد مروان بن الحكم لأمه قال:

"أنه خرج في بعض الليالي يريد مالاً له بمكة ، فانتهى إلى الموضع المعروف بخط عريان ، فإذا هو يشق ( وهو الجني الذي يبدو على هيئة نصف الإنسان ) قد ظهر له في أوصاف ذكرها ، فقال :

علقم أنى مقتول             وأن لحمي مأكول       
أضربهم بالمدلول          ضرب غلام مشمول

             رحب الذراع بهلول

فقال علقمة : شق، مالي ولك * اغمد عني منصلك * تقتل من لا يقتلك ، ثم يضرب كل منهما صاحبه فخرا ميتين ، وهذا مشهور عندهم وأن علقمة بن صفوان قتلته الجن .

وذكروا عن الجن بيتين من الشعر قالتهما في حرب بن أمية حين قتلته الجن وهما :

وقبر حرب بمكان قفر          وليس قرب قبر حرب قبر

واستدلوا على أن هذا من قول الجن بأن أحداً من الناس لم يستطع  أن ينشد هذين البيتين ثلاث مرات متواليات دون أن يتتعتع في إنشادها .

ويمضي المسعودي في ذكر أسماء لأناس كثيرين قيل أن الجن قتلتهم .

        ويبدو أن من الجن الأشرار والخيرين – وقد ورد هذا في القرآن الكريم – واستدل المسعودي على وجود جانب الخير لدى فئات من الجن أنهم يحملون مشاعر الأسى والحزن لفقد إنسان كريم هو حاتم الطائي : فيقول: حدث يحيى بن عتاب عن علي بن حرب عن أبي عبيد معمر بن المثنى – وهذا من أهل اللغة- عن منصور بن زيد الطائي ، قال :رأيت قبر حاتم طيء ببيعة ، وهو أعلى جبل له واد يقال له الحامل ، وإذا قدر عظيمة من بقايا قدوره مكفاة ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس ، وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة وعلى يساره أربع جوار من حجارة كلهن صاحبة شعر منشور محتجرات على قبره كالنائحات عليه لم ير مثل بياض أجسامهن وجمال وجوههن ، مثلهن الجن على قبره ، ولم يكن قبل ذلك الجواري بالنهار كما وصفنا ، فإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه ، ونحن في منازلنا نسمع ذلك إلى أن يطلع الفجر فيراهن سكتن وهدأن ، وربما مر المار فيراهن فيفتن بهن فيميل إليهن عجباً بهن ، فإذا دنا منهن وجدهن حجارة " .

تلك هي  حكاية الغول في تراث الناس وقول البشر، بعض تلك الحكايات لازالت  تأخذ حيزا من الذاكرة الجمعية وبعضها ضاع في ضجت المدن، ولكن للآن لا زال لفظ " تغول " مستخدم في المفردة اليومية فيقال: تغول المدينة على الريف، وتغول السلطة على الرعية وهكذا دواليك، وبرغم كل ما يقال إلا أن العرب اعتبروا الغول من المستحيلات الثلاث إضافة للعنقاء والخل الوفي، ويبدو أن جمعة المؤرخ المسعودي نابع من خبرته في تراث الشعوب، الذين زار بلادهم خلال رحلاته الكثيرة ودونها في كتبه ومنها  مزاهر الأخبار وظرائف الآثار ، وكتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة ، وكتاب القضايا والتجارب، وقد حاولنا الكشف عنها كما وردت في كتابه الأكثر شهرة "مروج الذهب ومعادن الجوهر".

التعليق