المقابر العسكرية والنصب التذكارية ومقابر الجند المجهولين

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 09:00 صباحاً
  • المقابر العسكرية والنصب التذكارية ومقابر الجند المجهولين

  الجندية الحقة هي مهنة التضحية والفداء، وبذل الدم والروح في سبيل الوطن. ولذلك استحق منتسبو القوات المسلحة من شتى الصنوف ومن مختلف الرتب، التكريم أحياء وأمواتا لأدائهم الواجب المقدس كل ضمن تخصصه تحت راية القوات المسلحة للدولة. والوطن لا ينسى من بذل في سبيله الدم والروح، وبات حقا على الأمة أن تكرم أبطالها من شهداء وقدامى المحاربين.

    ويتخذ التكريم صورا متعددة، كأن يكون بأوسمة تزين الصدور فتزهو بها النفوس، أو لوحات شرف تخلد إنجازاتهم وخدماتهم، أو نصبا وصروحا ومقابر تضم رفات الشهداء أو تحمل أسماءهم.

    وأصبحت صروح الشهداء ومقابر الجند المجهولين والمقابر العسكرية أماكن ذات أهمية رمزية خاصة، يقوم بزيارتها ملوك ورؤساء الدول وكبار مسؤوليها وقادتها في مناسبات وأيام محددة لها أهميتها التاريخية والوطنية، كيوم القوات المسلحة ويوم النصر وذكرى حرب أو معركة حاسمة. كما تدخل في برامج زيارات كبار ضيوف الدولة من زعماء وقادة، حيث يضعون أكاليل الزهور، ويقفون أمامها إجلالا واحتراما لذكرى من حارب وقضى في سبيل وطنه. فقد تقيم الدولة صرحا للشهيد، أو نصبا تذكاريا يخلد معاركها أومعركة بعينها كما قد تقيم مقبرة للشهداء، أو قبرا رمزيا للجندي المجهول، أو تنشىء مستشفى يحمل اسم بطل ما، سعيا منها في تكريم أبرّ ابناء الوطن.

المقابر العسكرية 

    المقابر العسكرية مدافن خاصة ونصب تذكارية لتكريم قتلى الحروب. وقد أقيمت النصب على مواقع المعارك، ولم تقم مقابر عسكرية كبيرة خاصة حتى الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) في أنحاء مختلفة من العالم، وقد قتل في هذه الحرب أعداد هائلة من الجنود، وقامت عدة دول أوروبية بدفن قتلاها قرب ساحات المعارك أي حيث قتلوا، ومنها مقابر فرنسا وشمال غرب أوروبا، وتضم رفات قتلى الحربين العالميتين. وبعد الحرب العالمية الأولى قامت لجنة خاصة بقبور الحرب لبريطانيا ودول الكومنولث بتصميم مقابر عسكرية ونصب تذكارية بقيت حتى الآن دون تغيير، وتضم نحو 23000 موقع من مختلف المساحات.

     وتحمل شواهد القبور الغربية شارة الصليب، ويبين شاهد القبر اسم الجندي وأوسمته ورتبته ورقمه العسكري وعمره والوحدة والسلاح الذي خدم فيه وتاريخ وفاته، ويضاف سطران كحد أقصى من كلمات من أقرب أهله، وتوجد بعض هذه المعلومات على اللوحات (شارات الهوية المعدنية) Identity discs التي يحملها كل جندي حول عنقه، وعند مقتل الجندي كانت ترسل إحداها إلى السجلات والقيود العسكرية لتوثيق الوفاة، وتبقى الثانية مع جثمان الجندي للمساعدة في تشخيصه لغايات دفنه.
 
    بنيت المقابر البريطانية ومقابر دول الكومنولث عقب الحرب العالمية الأولى، وصممت بحيث تبدو كالريف البريطاني بوجود النباتات وبخاصة الأزهار، وكذلك مقاعد للزوار، ووفرت كتيبات لمساعدة الزوار في التعرف على مقابر من يريدون، وتزودهم بمعلومات عن المعركة أو الحملة العسكرية التي سقط فيها الجندي. وكانت بعض هذه المقابر صغيرة المساحة، وقد أنشئت حيث قتل الجنود، وعليه قد تكون أصلا محطة أو نقطة إخلاء، في حين تكون بعض المقابر واسعة جدا، حيث يكون رفات الجنود تم جمعه من مقابر مؤقتة.

     كان للجيوش الأوروبية الأخرى مقابر عسكرية وبمواصفات خاصة بها، فالمقابر الألمانية تختلف في تصميمها، وبعضها بسيط وشواهد القبور قليلة الارتفاع بقصد تسهيل جز العشب الذي يكسو أرضها. وحملت شواهد قبور الجنود السوفيات في الغرب نجوما خماسية، بالرغم من أن الجيش الأحمر فضّل في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) استخدام المقابر الجماعية ومثالها مقبرة Treptow Park  في برلين، والتي تضم رفات نحو 4000 جندي. وتوجد نصب تذكارية memorials للقتلى الهنود الذين حاربوا في صفوف الجيش البريطاني إذ أن الديانة والتقاليد الهندوسية تحتم إحراق الموتى دون دفنهم، لذا لا توجد شواهد قبور فردية لهم.

     ومن المقابر العسكرية الشهيرة مقبرة معركة العلمين في مصر إذ شهدت منطقة العلمين الصحراوية عام 1942 معركة سقط فيها الآلاف من الألمان والإيطاليين والإنجليز والأستراليين والنيوزيلنديين والجنوب أفريقيين وغيرهم ولا تزال مقابرهم قائمة وتستقبل الزوار من شتى البقاع.

    تقام النصب التذكارية في المدن والقرى بتبرعات وجهود عامة الناس في العالم الغربي، وتقام بتصاميم مختلفة، وفي حين أقامت فرنسا النصب لقتلى الحرب الفرنسية – البروسية (1870 – 1871)، وأضافت الأسماء من الحربين العالميتين الأولى والثانية والحروب الاستعمارية اللاحقة، أقامت بريطانيا معظم نصبها التذكارية بعد الحرب العالمية الأولى، وسبق أن بنت بعضها بعد حروب جنوب إفريقيا (حروب البوير الأولى 1880 – 1881 والثانية 1899 – 1902 ) وقد بنيت بعض المعالم والمباني التذكارية التكريمية كمباني تقدم خدمات عامة كأن تقام قاعة عامة، أو مستشفى محلي إحياء لذكرى شخص بعينه أو مجموعة ما، كما تقام تماثيل برونزية في الساحات الرئيسة لمدينة أو قرية ما، لتحمل قواعد التماثيل أسماء المكرّمين. ومن التماثيل ما يمثل مجموعة من الجند المتقدمين نحو ساحة الوغى وما نحو ذلك. وتقام عادة في يوم الذكرى (memorial day ) الذي يصادف يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) وهو يوم الهدنة الذي انتهت فيه الحرب العالمية الأولى، وتقام المراسم في المقابر العسكرية وعند النصب التذكارية لتكريم من سقط في الحربين العالميتين.
 
الجندي المجهول 

    وجد المسؤولون والقادة في دول الحلفاء عقب الحرب العالمية الأولى أن رفات العديد من الجنود الذين قضوا نحبهم في المعارك باتت بشكل لا يمّكن التعرف عليها أو تمييزها، وعليه قررت حكومات بلجيكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة تكريم ذكرى هؤلاء الجنود، فاختارت كل حكومة جنديا مجهول الشخصية وقامت بدفن رفاته في نصب تذكاري قرب العاصمة الوطنية للدولة وسط مظاهر عسكرية احتفالية، كرمز تكرم فيه ومن خلاله كل جنودها المجهولين الذين لم يتم التعرف على شخصياتهم وهوياتهم. فدفنت بلجيكا جنديها المجهول في مقبرة قرب الكونغرس في بروكسل العاصمة، ودفنت بريطانيا جنديها في كنيسة ويستمنستر Westminster في إحدى ضواحي لندن، ويقع قبر الجندي الإيطالي المجهول أمام نصب الملك فيكتور إيمانويل الثاني في العاصمة روما.
 
الجندي المجهول للولايات المتحدة الأميركية:

    اختار الرقيب الأميركي ينغر Younger رفات أحد أربعة جنود أمريكيين من مقابر عسكرية أميركية في فرنسا، حيث  تم نقله إلى مبنى الكونغرس Capitol وفي يوم الهدنة 11/11/ 1921 تم الدفن في مقبرة آرلنغتون الوطنية Arlington في ولاية فرجينيا قرب واشنطن العاصمة. واكتمل بناء المقبرة عام 1932 ويحمل القبر لوحة رخامية بيضاء كتب عليها "هنا يرقد في المجد العظيم جندي أميركي يعرفه الله فقط". وفي ما بعد وجّه الكونغرس بدفن جندي أميركي مجهول من كل حرب من الحروب الثلاث؛ العالمية الثانية والكورية (1950- 1953) والفيتنامية (1957 - 1973) ليدفنوا إلى جانب الجندي المجهول الذي سقط في الحرب العالمية الأولى كما سبق. 

الجندي المجهول للجمهورية الفرنسية:
 
     يقع تحت قوس النصر Arc de Triomphe de Letoile في باريس، وهو أكبر قوس نصر في العالم، أمر بإقامة القوس الإمبراطور نابليون الأول عام  1806 كنصب تذكاري لجيوشه، ووضع تصميمه على نسق أقواس النصر في روما القديمة، لكن نابليون سقط عام 1814 ما أخّر إنجاز القوس حتى عام 1836، ويرتفع القوس 162 قدما، وقد دفن الجندي الفرنسي المجهول للحرب العالمية الأولى تحته.

صرح الشهيد الأردني:

     أقيم في منطقة مدينة الحسين للشباب في عمان العاصمة عام 1977، ويتكون من ثلاثة أجنحة رئيسة، تروي بالصور وببعض المجسمات والمقتنيات المتنوعة تاريخ الثورة العربية الكبرى، وتطور القوات المسلحة الأردنية، وتوجد في الساحة العلوية للصرح شجرة زيتون لما تعبر عنه هذه الشجرة المباركة، ويقوم كبار زوار الصرح برّيها، كما تحمل جدران الصرح أسماء شهداء القوات المسلحة الأردنية منذ بداية عهد الإمارة وحتى الآن وقد كتبت بماء الذهب. كما يوجد الصرح التذكاري لشهداء معركة الكرامة قريبا من مكان المعركة ويحمل الصرح أسماء شهداء المعركة من مختلف الصنوف والوحدات العسكرية، ويوجد صرح شهداء الشمال في شمال المملكة.  

التعليق