فتيات يعترفن: لو كنت شابا لهربت من المنزل

تم نشره في الأربعاء 29 كانون الأول / ديسمبر 2004. 09:00 صباحاً
  • فتيات يعترفن: لو كنت شابا لهربت من المنزل

 عمان - "كنت صغيرة. لم أستطع أن أقاوم والدي وأخوتي الذكور. والدتي اتخذت موقفا سلبيا. أعتقد أنها كانت أيضا ترغب بتزويجي. كبرت بعدها، مع رجل لا أطيقه ولا أتحمل حتى النظر في وجهه. هذا الرجل للأسف هو زوجي وقريبي ووالد طفلتَيّ".


     هكذا تصف (م. م 27عاما) السنوات التسع الأخيرة من عمرها، بعد أن زوجها والدها من قريبها عقب كشفه علاقتها مع ابن الجيران. كانت تمتحن للثانوية العامة في ذلك الوقت، بينما هو لا يزال في سنته الجامعية الأولى. تقول: "قضيت التسع سنوات الماضية في محاولات بائسة للدفع به إلى الطلاق. حاولت الضغط عليه بشتى الوسائل، حتى أنني كثيرا ما أهنته إلى أن ضربني في أحد الأيام لشدة غضبه مني. لكنني لم أحصل على مرادي".


وتكمل: "رزقنا بطفلتين خلال هذه السنوات. أحبهما بالطبع، إلا أنهما شكلا عائقا كبيرا أمام مطالبتي بالانفصال عنه. دائما أفكر بالطلاق، ولن أتنازل عن هذا الحق إلى آخر يوم في عمري".


       أما (ن. ف 19 عاما) فلا تزال عروسا في نظر الأقارب والجيران. وافقت على الزواج بعد ضغط نفسي ومادي من والديها، وبعد أن خيرت بين إكمال الدراسة الجامعية على نفقة العائلة، أو الجلوس في المنزل دون مصروف أو حرية التنقل، اختارت الأقل سوءا: "وضعت بين خيارين سيئين. أبي لم يضربني ولم يصرخ في وجهي. لكنه حرمني من كل الامتيازات التي اعتدت عليها منذ صغري. الزواج مقرف. الجامعة كانت على الأبواب. كنت أود أن أحب وأخرج مع الفتيات والشبان، و"أفرح بشبابي" بما فيه من أخطاء، بدل العودة من الجامعة إلى المطبخ لأحضر له الغداء. ولو لم يكن لابن عمي أطماع مادية في العمل مع والدي لكان انسحب بعد أن علم برفضي له. أريد الطلاق. ولو لم أكن بنتا لحملت حقيبتي وهربت من المنزل". إلا أن لوالد (ن. ف) وجهة نظر مغايرة. يقول: "غدا تهدأ. من يومها ورأسها يابسة. أنا أريدها أن تكمل دراستها الجامعية. فالشهادة سلاح الفتاة. لكن الأب الذي يرسل ابنته إلى الجامعة وهي لا تزال بنتا مجنون. الناس تغيرت، والدنيا آخر وقت، غدا عندما تصبح أما ستهدأ وتنتبه لبيتها. وعندما تتزوج بنات جيلها ستعلم أن زواجها أفضل من غيرها بكثير. انا أحب ابنتي أكثر من أي شيء في الدنيا، ولا أحد يستطيع أن يقول أنني أب قاس. لكنني أخاف أن تسيء لنفسها أو أن تتم معاملتها بطريقة سيئة من زوج سيئ. أنا وأمها لن نبقى لها للأبد".


      الزواج القهري الذي يمارس عادة على الفتيات في المجتمعات المنغلقة لا يزال متواجدا في المجتمع الأردني. وهو مرتبط بشكل كبير بالحق الأبوي المطلق بتقرير مصير الفتاة استنادا إلى تحميل  معنى "الولي" أكثر مما يحتمل، إضافة إلى هاجس العنوسة الذي يبقى ملازما للأهل.


ويشير أستاذ كلية الدراسات الفقهية والقانونية في جامعة آل البيت د. محمد نوح إلى موقف الإسلام من الموضوع قائلا: "إكراه الفتاة على الزواج ليس من الإسلام في شيء. فوظيفة الولي هنا لا تتعدى كونه مبلغا لرسالة الخاطب"، ثم يشرح معنى الولي ومعنى الإكراه، فيقول: "الإكراه هو حمل الإنسان على فعل ما لا يرغبه، إما بالأسلوب المادي كالضرب والحبس، أو بالأسلوب المعنوي كالحرمان من الميراث مثلا، أما الولي في الشرع فهو الأب أو الأخ أو الابن ممن اكتملت فيه الشفقة والنظر في مصلحة المرأة".


ويضيف: "الشرع الإسلامي أبطل كل عقد بني على الإكراه. فالأصل في العقود رضا الطرفين بالإيجاب والقبول، والزواج يأتي من جملة هذه العقود. لذلك توجه الإسلام إلى الأب وأمره أن يستأذن الفتاة. ففي الحديث الصحيح (لاتنكح البكر حتى تستأمر، ولا تنكح الثيب حتى تستأذن)".


ويشير د. نوح إلى نقطة مهمة، وهي أن "عقد الزواج تحديدا، يصح ويسقط عنه حكم الإكراه بمجرد الدخول الذي إذا حدث سقط حقها في المطالبة بفسخ العقد على أساس الإكراه. فعلى الفتاة أن تطالب بهذا الأمر قبل الدخول".


وحول قصة (ن. ف) تحديدا يقول د. نوح: "الثقة بين الآباء والأبناء انعدمت في الآونة الأخيرة، حتى لو رأى الأب في ابنته طيشا، فليس من حقه أن يحاكمها على ما لم تفعله. ولا يعد هذا الأمر أبدا مبررا للإكراه على الزواج".


ويؤكد د. نوح أن التقاضي في أمور الزواج والطلاق كان يسيرا وواردا أيام الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يمثل الحاكم والقاضي كذلك. فكم امرأة ذهبت إلى الرسول تشكو أباها أو زوجها أو تطالب بتطليقها، وما يحدث حاليا من إكراه الفتيات على الزواج لا يمثل الإسلام .


     إلا أن لـ(خ. ي 38 عاما) قصة مختلفة ترويها: "لا أنكر أن والدي قام بتزويجي رغم إرادتي، بل وأكثر، فقد تعرضت للضرب من قبله حتى يتم هذا الزواج. كان هذا في الـ1990، في فترة الخطوبة كنت نافرة تماما منه. إلا أنه أظهر صبرا وتفهما كبيرين. ففارق العمر له تأثيره بالطبع لأنه يكبرني بـ19 عاما. تقبلته ليس أكثر. لا أستطيع أن أقول أنني أحببته أبدا. كثيرا ما كان يتصاعد غضبي منه، فأنفجر في وجهه طالبة الطلاق. كان هذا في أول عامين من الزواج، لكنني استوعبت حقيقته بعد ذلك، ورأيت أنني أعيش حياة مادية أفضل من جميع قريباتي وصديقاتي، بيت مستقل وسيارة وخادمة ورجل هادئ وصبور".


تختم حديثها بالقول: "لم أحبه لكن هناك عشرة، والعشرة لا تأتي بسهولة. كان قرار أبي رحمه الله صائبا، فأنت ترى الحياة بشكل أكثر وضوحا بعد النضج". 
نقاط مشتركة


      والملاحظ أن القصص الثلاث السابقة تشترك في عدة نقاط، مثل تدني المستوى التعليمي للأب، والخلفية الاجتماعية التقليدية وسواها.ويرى أستاذ علم الاجتماع في كلية الأميرة رحمة الجامعية د. حسين الخزاعي أن لزواج الإكراه أسبابا عديدة أهمها متوسط حجم الأسرة الأردينة الذي يصل إلى 6 أطفال في العائلة، الأمر الذي يجعل من تزويج الفتاة تخفيفا من العبء على رب الأسرة.
ويضيف: " مما يزيد احتمالية لجوء الأهل إلى تزويج الفتاة بالإكراه عمر الفتاة. لهذا السبب يفضل الأهل الضغط على بناتهم لتزويجهن مبكرا كي لا تقل فرص زواجهن مع مرور الوقت، إضافة إلى المغريات المادية التي تجعل من عريس معين فرصة لا تفوت، خصوصا الرجل الكبير في السن. فقد دلت الدراسات أن 10% من حالات الزواج في الأردن هي زواج ثان".


ويرى الخزاعي أن هذا النوع من الزيجات واحد من سمات المجتمعات الإسلامية، مع أن الإسلام يحض على التعليم وعلى استئذان المرأة، إلا أن مجتمعاتنا تسيء استخدام قيم إسلامية معينة كالعفة والحض على الزواج، وفي قضايا أخرى تبخس من حقوق المرأة، إحداها الإكراه على الزواج، وذلك للخلط الكبير الذي أنتجته مجتمعاتنا بين العادات الاجتماعية والدين.


يقول الخزاعي: "لا زلنا نرفض أن نمنح الفتاة حق التعبير عن رأيها. فالدراسات تشير إلى أن 75% من الفتيات لا يحصلن على حقهن في إبداء الرأي، وكثيرا ما نجد الإكراه على الزواج في العائلات الكبيرة المسماة بالعائلات الممتدة، والتي لا تزال متمسكة بالعادات والتقاليد البالية، فكيف يستغرب الناس بعد مصادرة المجتمع لكل هذه الحقوق للمرأة من تزايد نسبة الطلاق".

التعليق