"فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون"

تم نشره في الخميس 22 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي*

في سياق الحديث عن موقفي المؤمنين والمنافقين تجاه ما ينزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سورة مليئة بالحديث عن المنافقين وكشف حقائق أنفسهم وبغضهم الإسلام وأهله (التوبة أو براءة)، وهم الأهل والعشيرة لكنه الكبر والعمى والضلال؛ يأتي قول الله تعالى: "وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ" (التوبة، الآيتان 124 و125).
إنه النفاق الذي ظهر بُعيد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر؛ إذ برز سببان رئيسان للنفاق، هما الطمع في شيء، أو الخوف من شيء. وهذان حصلا فعلا بعد غزوة بدر، حين برز المسلمون كقوة غير متوقعة تهزم قريشا، وتنال من الغنائم ما يسيل له لعاب أي إنسان خاو من القيم والإيمان؛ فنشأ النفاق وتغلغل في صفوف الكافرين من بقايا أهل المدينة الذين لم يسلموا، ومن بعض اليهود الذين خشوا على أنفسهم، فأعلنوا إسلامهم، وأبطنوا كفرهم، واتخذوا هذا المسلك جزءا من حربهم على الإسلام. ويا له من خطر عظيم؛ أن تشعرني أنك معي، تصلي وربما تجاهد، لكنك تضمر الكفر وتتمنى هزيمة الإسلام! ولم يردعهم وجود النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وهو الذي يتنزل عليه الوحي بما فيه من حقائق وإعجاز.
وجاءت غزوة "أحد"، ونسّق المنافقون مع قريش في شأن مهم، حين انسحب ثلث الجيش ابتداء، وكانوا ألفا، وخاض المعركة ثلثان. وانقسم المسلمون وتألموا لما جرى، وكان ما كان من انتصار مبدئي، ومعصية الرماة التي عوقب المسلمون جميعا بسببها. ولعل شوكة المنافقين قويت شيئا ما بسببها، خاصة ما جرى من غدر بالمسلمين بعد "أُحد" في يوم الرجيع وبئر معونة. وظهر دور المنافقين بشكل بارز في غزوة الأحزاب، تخذيلا وحرب إعلام غير مسبوقة، ولا نبرئهم من التنسيق مع الأحزاب واليهود (بني قريظة)؛ حين اجتمع هؤلاء جميعا على المسلمين. لكن نصر الله رسوله والمؤمنين، وقاتل الرسول صلى الله عليه وسلم بني قريظة، وبقي منهجه مع المنافقين هو هو: الإعراض عنهم ووعظهم، حتى لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
لقد جاءت آيات شديدة في شأن المنافقين، خاصة تلك التي تلمح إلى احتمال قتالهم: "لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا" (الأحزاب، الآية 60). لكن بقي المنهج النبوي واضحا كما ذكرت، وكما قال صلى الله عليه وسلم أيضا بأنّ لنا ظاهر أمرهم، وندع سرائرهم إلى الله تعالى. وربما أعطاهم هذا أمانا في سيرهم الخبيث وتغلغلهم في المجتمع، ينفثون سمومهم حيثما حلوا. إلا أن هذا الأمر قد لا يستقيم طويلا، فلا بد أن تظهر حقيقتهم، كما قال الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ" (محمد، الآية 30)؛ فلا بد أن يُكشف الكاذب، ولا بد أن تظهر حقيقة المنافق. وزاد النبي صلى الله عليه وسلم في بيان صفات هؤلاء المنافقين: "إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"، وفي الحديث الآخر: إذا خاصم فجر.. وغير ذلك مما ذكرته الآيات القرآنية، خاصة وضع الولاء في غير موضعه، فهو موجه بشكل رئيس إلى اليهود (في ذلك الوقت)، أي إلى غير المسلمين.
والحديث عن النفاق والمنافقين يطول. وهناك سور كثيرة تحدثت عنهم، خاصة تلك الموصوفة بأنها مدنية. بل هناك سورة "المنافقون". وتحدثت سور البقرة، والنساء، والتوبة، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والممتحنة، بشكل رئيس عنهم. والذي يعنيني هنا موقفهم أثناء تنزل القرآن، كيف يكون حالهم، وكيف يكون شعور المؤمنين؟
فالذين آمنوا تزيدهم الآيات إيمانا، وهم يستبشرون دائما، لأنهم مع الحق؛ مع خالقهم الذي آمنوا به ونصروا منهجه. ولا شك في أن ما سينزل من القرآن هو مزيد وعظ أو بشارة أو تشريع؛ فهم الذين لامس الإيمان شغاف قلوبهم، وأيقنوا بخالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم، يوقنون به سبحانه، ويتوكلون عليه، ويعلمون في قرارة أنفسهم علم اليقين أن أمره سبحانه نافذ، وأنه الحكيم العليم. وحين يثقون بالله هذه الثقة المطلقة، ويوالونه وحده فهو الناصر والمعين، حينها لا يشكون بشيء تجاهه، بل يشكون بأنفسهم إن حصل أمر لا يسرهم؛ فلا يمكن أن يكون الخلل من جهته سبحانه، حاشاه وتعالى عن أن يضر عباده ابتداء. وهكذا هم حين تنزل سورة تنبئهم بما في صدورهم وقلوبهم، يزدادون إيمانا ويستبشرون ويستشعرون معية الله تعالى.
أما المنافقون، فلا يوجد أساس من الإيمان يرجعون إليه، بل هم مضطربون متحيرون، يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم في ضلال مبين، كيف لا وهم الذين يمكرون بالمؤمنين ليل نهار؟! وعلى الأقل، ليتركوا هؤلاء من شرورهم، ولكنهم يأبون إلا أن يثيروا الفتن، ويشيعوا الأخبار الكاذبة، ويؤذوا الرسول والمؤمنين، ويخادعوا ويتلونوا بحسب مصالحهم، ويصطفوا مع العدو لحرب هؤلاء المؤمنين؛ فهي أفعال شنيعة قبيحة غير مستغربة على من فقد الإيمان، ولا يعطي لله بالا ولا وقارا.
هؤلاء حين تنزل سورة، تزيدهم رجسا إلى رجسهم؛ أي كفرا وشكا. فهم في هذه الدائرة قد طُبع على قلوبهم، إذ إن الكفر هو ديدنهم، ولا يحاول أحدهم ولو مرة واحدة أن يكشف الغطاء عن عقله ليفكر. ولهذا جاء بعد الآيتين قوله تعالى: "أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ" (التوبة، الآية 126)؛ فهو استنكار من فعلهم وتعجب. فهم يتعرضون في كل عام لما يكشف حقيقتهم، ولكنهم يصرون على الكفر، ويأبون إلا أن يرضوا أنفسهم الخبيثة وأسيادهم الذين لا همّ لهم إلا حرب الإسلام ورسول الإسلام،، ومعظم هؤلاء من اليهود.
إنه الزمان يعيد نفسه، بوجود فئة من المسلمين، ولكن لا علاقة لهم بالإسلام والقرآن والرسول، يعملون ليل نهار لاجتثاث الفكر الإسلامي وتشويه الهوية الإسلامية وتمكين أعداء الإسلام من التغلغل في شتى ميادين الحياة الفكرية والثقافية والسياسية؛ يشيعون الفتن والأخبار الكاذبة، وهم الذين يصنعون النماذج المتشددة التي تشوه الإسلام والمسلمين، فلا يريد هؤلاء أي نموذج إسلامي صحيح، وندفع جميعا ضريبة هذا الوضع. فالخلل واضح، والتردد والانعزال، بل التنازع بين الجماعات الإسلامية وربما التنازع بين أفراد الجماعة الواحدة.. كل ذلك لا يمكن أن يجلب رحمة الله وتأييده، بل اقتضت سنته أن التنازع يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة.
مع هذا، لا يأس، ويبقى المسلم واثقا بربه ودينه. وهذا الذي نحياه إنما هو من مداولة الأيام. وعلينا مراجعة أنفسنا في إيماننا، وترتيب أولوياتنا وتربيتنا لأنفسنا ومجتمعنا؛ فالحق أبلج، والباطل لجلج، والزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض. وحين تخلص نفوسنا لله سبحانه، ونصدق معه ونتحلل من الأهواء كلها، حينها يتنزل النصر إن شاء الله.


*أكاديمي أردني

التعليق