العقد الرائع أم العقد ضائع؟

تم نشره في الخميس 22 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

هآرتس

آري شبيط

22/5/2014

اليكم سراً محفوظا جيدا وهو أن العقد الأخير كان عقدا رائعا. فقد كنا إلى ما قبل عشر سنوات نحيا على الطرف، وكانت العمليات الانتحارية تقتل مواطني إسرائيل وتهدد اقتصاد إسرائيل وتشوش على الحياة في إسرائيل كليا. وكان يخيل الينا احيانا أن الدم يجري حقا في الشوارع وأن الوجود غير ممكن. واضطرت إسرائيل على أثر الوضع المتطرف المستمر أن تخطو خطوات متطرفة في الضفة وفي قطاع غزة جعلت حياة الفلسطينيين أيضا جحيما. لكن في خلال 2004 نجح الجيش الإسرائيلي و"الشباك" والمجتمع المدني آخر الامر في إسكات الفترة الدموية الكبيرة. وقل الارهاب الذي يثير الرعب وانقطع بعد ذلك فعاد الهدوء إلى الشوارع والقلوب.
جبى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في العقد الاخير من حياة البشر أقل مما فعل في أكثر العقود السابقة. وكان من نتيجة ذلك أن عاد الاقتصاد الإسرائيلي إلى الازدهار والنمو وتحطيم ارقام قياسية. وكان من نتيجة ذلك أيضا أن حدث تغيير عميق في الضفة. فلا يوجد أي تشابه بين تل ابيب ورام الله في 2014 وتل أبيب ورام الله قبل 2004.
ودون أن ننتبه جذبنا أنفسنا من الطرف ونجحنا في أن نمنح أنفسنا سنوات سمانا جدا من السكينة النسبية والنماء المطلق.
واليكم سرا محفوظا جيدا آخر وهو أن العقد الاخير كان عقدا فظيعا. ففي 2004 كان عدد المستوطنين في المناطق أقل من ربع مليون. وصار عددهم اليوم أكثر من 370 ألفا (من دون القدس- الترجمة). وقد أفضى نمو اقتصادي بلغ نحوا من 50 بالمائة إلى أن تحول المشروع الاستيطاني في السنوات العشر الاخيرة إلى مشروع ضخم لا رجعة عنه تقريبا. وقويت قوة المستوطنين السياسية جدا أيضا. ففي حين كان من الممكن في منتصف العقد السابق أن يُكف جماحهم أصبحوا اليوم يسيطرون على الحزب الحاكم ويجذبون خيوط الحكومة ويُصرفون الادارة كأنها لهم. ولا يوجد أي حزب مركزي يواجههم ولا زعيم مركزي يضع أمامهم حداً.
إن الدولة التي كانت قادرة على تنفيذ الانفصال في 2004 – 2005، حل محلها دولة غير قادرة على صد الزعرنة المقززة لشارة الثمن. وفي تلك السنوات التي نمت فيها إسرائيل اقتصاديا أكثر من كل دولة غربية أخرى، عقدّت جدا وضع الاحتلال الذي جعلها دولة غير غربية على نحو سافر. فلا يوجد أي تشابه بين الاستيطان في 2014 والاستيطان قبل 2004. ودون أن ننتبه دفعنا أنفسنا إلى الطرف وقربنا أنفسنا جدا من وضع فقدان القدرة على البقاء.
يُسمي خبراء اقتصاد العقد الذي تلا حرب يوم الغفران "العقد الضائع". فقد كان النمو الاقتصادي الإسرائيلي بسبب ظروف عالمية قاسية وسلسلة اخطاء سياسية بين 1974 و1985، كان منخفضا وزاد التضخم المالي كثيرا، ودُفعنا آخر الامر إلى دوار خطير. لكن الحقيقة أن العقد الاخير كان هو العقد الضائع فيما يتعلق بوضع الدولة العام. وقد كان تشخيص المرض موجودا هناك، فالدولة اليهودية الديمقراطية مصابة بداء عياء قد يصبح داءً لا دواء له. وكانت القدرة أيضا موجودة هناك.
كانت إسرائيل قادرة بسبب قوتها الاقتصادية والعسكرية على رسم حدودها بنفسها. وكانت الفرصة موجودة هناك بيقين لأن الهدوء الذي لم يسبق له مثيل كان يُمكّن من الدفع باجراء ليس بمنزلة انسحاب تحت النيران. لكن لم ينهض الزعيم السياسي ولم تتشكل الارادة السياسية اللذان يمكنهما فعل عمل ما. وفي حين انطلقت الشركات الرائدة قدما وانتفخت الجيوب وامتلأت المطاعم – لم توجد القيادة الوطنية التي تواجه على نحو ناضج حكيم المشكلة القومية الاولى التي تهدد وجود الإسرائيليين القومي.
أنهى شمعون بيرس العقد الاقتصادي الضائع، فقد استغل حينما كان رئيس الوزراء ازمة حادة كي يفرض خطة انقاذ لامعة على جهاز سياسي واهن. فهل يوجد اليوم بيرس جديد وخطة بيرس جديدة ينهيان بصورة مشابهة العقد السياسي الضائع؟ إذا كانا موجودين فليظهرا فورا وإذا لم يكونا موجودين فيحسن أن نجدهما سريعا فإسرائيل لا تستطيع أن تبيح لنفسها عقدا ضائعا آخر.

التعليق