مهندسون يضعون تصورا لتقسيم القدس

تم نشره في الأربعاء 28 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً
  • منظر عام لمدينة القدس المحتلة -(أرشيفية)

نير حسون-هارتس


 أُثيرت منذ كان يوم توحيد القدس قبل 47 سنة تقريبا أفكار تتعلق بكيفية تقسيمها من جديد. وقد رسمت خطوط تقسيم في مؤتمرات السلام في كامب ديفيد وطابا والغرفة البيضوية عند الرئيس كلينتون وفي غرفة عمل رئيسي الوزراء إيهود باراك وإيهود أولمرت. لكن اقتصرت الأفكار في الأكثر على رسم خط التقسيم وعلى اقتراحات مختلفة – عجيبة أحيانا – لتقاسم السيادة في الأماكن المقدسة وفي الحوض التاريخي.
وحاول قليلون إن كانوا حاولوا أصلا، فهم هل يمكن أن تُقسم القدس حقا من جديد؟ وإذا حدث ذلك فكيف يبدو الحد؟ فهل يُقام سور في قلب المدينة؟ وأين ستكون المعابر ومن يستطيع المرور فيها؟ وكيف ستكون حال نظم الشوارع والنقل العام؟ وتحاول الإجابة عن هذه الأسئلة منذ عشر سنوات مجموعة مهندسي عمارة برئاسة يهودا غرينفيلد – غيلات وكيرن لي بار – سيناي.
يعرف متخذو القرارات في جميع الأطراف الخطط التي يُكشف عنها هنا لأول مرة في الصحف العبرية، معرفة جيدة. ففي احدى الجلسات التي شارك فيها رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس، عرض الأول مخطط غرينفيلد – غيلات وبار سيناي لمحطة الحدود المستقبلية بين حيي الشيخ جراح وبيت يسرائيل. وقد توجه رئيس فريق التفاوض الأميركي مارتن اينديك قبل نصف سنة وحصل على الخطط. وعلى أثر ذلك توجه غرينفيلد – غيلات إلى وزير الخزينة العامة يئير لبيد، ورئيس المعارضة يتسحاق هيرتسوغ وعرض عليهما المواد. "أعتقدت أن ليس من المنطقي أن تكون هذه المعلومات عند الأميركيين ولا تكون عند الإسرائيليين"، يقول. وتعرف الوزيرة تسيبي ليفني أيضا، المسؤولة عن التفاوض الذي انهار الآن، تعرف الخطط وكذلك الساسة من اليمين أيضا الذين طلبوا ألا يُكشف عن أسمائهم.
لا تكتفي الخطط بخط حدودي بل تواجه كل الأسئلة والصعاب والعوائق في مدينة مقسمة. وتقترح الوثائق حلولا (غير نهائية أحيانا) لمشكلات الأمن والسياحة والأداء الاقتصادي للمدينتين والنقل العام والمعابر وقابلية خط الحدود للرؤية وغير ذلك. وتتناول الخطط حتى النباتات عند جدار الفصل وموضع آلات تصوير الحراسة. وليس الهدف بالضرورة أن تكون تلك خطة عمل لتقسيم القدس بل أن تثبت لمتخذي القرارات وللجمهور الإسرائيلي قبل الجميع أن ذلك ممكن. فهو معقد وباهظ الكلفة وغير لذيذ لكنه ممكن.
"من الواضح أنه لن تكون تسوية سياسية دون تقسيم القدس"، يقول المحامي داني زايدمان، وهو خبير بشؤون المدينة كان يصاحب مشروع مهندسي العمارة منذ سنين. "لكن رئيس المجلس البلدي بركات جاء إلى متخذي القرارات وقال لهم إن ذلك غير ممكن. فهم لا يستطيعون مواجهة ذلك؛ فجأة حينما أصبحت توجد مجسمات وأصبحت تنجح في رؤية كيف سيبدو ذلك في الواقع، ولذلك تأثير غير عادي. "لا أعرف سابقة مدينة تُقسم في إطار اتفاق سياسي"، يضيف زايدمان، "فالمدن تقسم في الحرب في الأكثر. والتسوية كما أراها تقوم على حقيقتين: الحقيقة السياسية والحقيقة المدنية. وما يفعلونه هو الفحص العميق عن الآلية – كيف تنشئ مدينتين قابلتين للبقاء مع أقل إضرار بالمدينة".
ومقدمة هذا المشروع العمراني الضخم هي بحث نهائي أعده غرينفيلد – غيلات، وبار سيناي وآية شبيرا في السنة الخامسة من دراسة هندسة العمارة في التخنيون في 2003. وبعد ذلك بسنة قتلت شبيرا في كارثة التسونامي حينما كانت تقضي عطلة في تايلاند. وانشأ بعد ذلك غرينفيلد – غيلات وبار سيناي مكتبهما لهندسة العمارة "سايا" على اسمها ("ستوديو آية").
تناول بحثهم النهائي التخطيط لمحطة نقل عام في منطقة باب الخليل في وضع مدينة مقسمة. وكانت القوة المحركة هي بناء جدار الفصل، "في ذلك الوقت بالضبط بدأ بناء الجدار، وهو أكبر مشروع بنية تحتية بني في الشرق الاوسط دون أن يعتقد أحد أنه كذلك"، تبين بار – سيناي. "وكانت لذلك معان جغرافية – سياسية بعيدة المدى ولم يرد على ذلك أحد في مجموعة مهندسي العمارة. ويبدو لنا أنه يوجد هنا مكان للتفكير في الصورة التي يستطيع مهندسو العمارة أن يكونوا فيها جزءًا من صوغ السياسة. وكيف لا يُترك هذا المشروع لرجال الأمن فقط الذين لا يفهمون في التخطيط".
كان المبدأ الموجه في البحث النهائي الذي سيصاحبهما أيضا فيما يلي إحداث وضع تصبح فيه الحدود الطبيعية في المدينة حدودا بين الدولتين، وبذلك لا يشعر مستعمل المواصلات مثلا بأنه يجتاز الحدود بل يمر ببساطة بين محطات مختلفة للمواصلات. "والفكرة هي أن يُنزع عن الحدود معناها وأن تُجعل شيئا نعرفه في حياتنا اليومية"، يقول غرينفيلد – غيلات. "على سبيل المثال حينما تجعل الحدود في شارع رئيس تحوله إلى قطعة أثاث مدنية وتخفف المعنى الثقيل للحد".
كان أحد زوار المعرض النهائي مهندس بلدية القدس آنذاك ومخالف القانون المُدان اليوم أوري شطريت. ويتذكر غرينفيلد – غيلات وبار – سيناي انتقاده الذي كان قاتلا ومُذلا على أنه نوع من صدمة شعورية. "ليست هذه هندسة عمارة بل هي سياسة"، قال للطلاب الشباب موبخا إياهم. وبعد أن أنهوا اللقب الجامعي وبتشجيع من يوسي بيلين تم توسيع المشروع ليشمل المساحة البلدية كلها باعتباره جزءً من خطط أعدها ناس مبادرة جنيف. وتم المشروع بدعم من صندوق التعاون الاقتصادي (إي.سي.اف) ومعهد دانيال أبراهام لتقديم السلام قدما في الشرق الاوسط، وشارك فيه مهندستا العمارة حن فركش، وليئان عيدان – سغئاه ومهندس العمارة كوبي روتنبرغ.
أصدروا حتى 2007 أكثر الخطط وطوروها منذ ذلك الحين. وكانت النتيجة النهائية مجموعة من عشر كراسات ثخينة ومئات الرسومات والمجسمات التي تتناول قضايا مختلفة من تقسيم المدينة. والرسالة الرئيسة التي تظهرها الكراسات وكلام غرينفيلد – غيلات وبار – سيناي هي أن الحديث بلا شك عن مشروع ضخم يحتاج إلى موارد كثيرة ويوجب تغييرات بعيدة المدى في المدينة. لكن في الخلاصة يُقال إنه برغم 47 سنة احتلال واستيطان وبرغم جهود لا نهاية لها لمحو الخط الاخضر في القدس ما زال الخط نافذا قائما ويمكن تقسيم المدينة بحسبه تقريبا. هذا إلى أن الحياة اليومية للمقدسي العادي لن تتضرر كما يقولان. "لن تشعر الاكثرية المطلقة من سكان القدس بتغيير في حياتهم اليومية"، يقدر غرينفيلد، "فأكثر الحدود ستمر في مناطق مفتوحة وسيمر 5 بالمئة فقط منها في مساحة بلدية وفي مكان واحد فقط – في أبو طور – في طول 500 متر سيكون شارع أحد جانبيه جدار كما كانت الحال في برلين".
إن غرينفيلد هو ابن عضو الكنيست السابقة من حزب ميرتس، تسفياه غرينفيلد. وهو يعتمر قبعة دينية ويؤكد مرة بعد أخرى أن عمله مشروع صهيوني خالص. "من المؤكد أن يقول عدد من القراء إنني يساري هاذٍ ويقضون على الأمر، لكن ذلك هرب من الحقيقة فأنا صهيوني وابن عائلة من الصهيونية المتدينة، وأنا نفسي أحفظ الفرائض وأهتم بمستقبل هذه المدينة ومستقبل أبنائنا. وليست عندي أية مشكلة في محادثة خطط أخرى تضمن المصلحة الصهيونية في القدس – لكن لا يمكن الاستمرار على قول إنه لا يجوز الحديث عن القدس. ومنذ خسر بيرس بزعم أن "بيرس سيقسم القدس"، يخشى الناس الحديث عن ذلك ونحن نخسر لذلك، فأنا أقول تعالوا نتحدث عن القدس".
في تاريخ الحوار في تقسيم القدس يوجد نموذجان لتقسيم المدينة. الأول نموذج المدينة المفتوحة ويكون في القدس بحسبه نظام خاص لمدينة واحدة ذات سلطة بلدية واحدة لكنها تكون في الوقت نفسه عاصمة دولتين. والنموذج الثاني هو نموذج تقسيم صارم واضح للمدينة مع حدود ومعابر حدودية في قلبها. وفي النموذج الثاني ستصبح القدس مدينتين منفصلتين تؤديان عملهما كل واحدة على حدة مع علاقات متبادلة. وعلى حسب ما يقوله المحامي زايدمن، يميل الطرف الإسرائيلي في التفاوض إلى حدود صارمة في حين يميل الفلسطينيون إلى مدينة مفتوحة. "إن الخوف المركزي عند الجهات الامنية في إسرائيل هو من ظاهرة "نفق الريح" – أي أنك إذا أبقيت القدس مفتوحة وسائر الحدود كلها مغلقة فستصب كل المشكلات في القدس".
لكن نموذج المدينة المفتوحة يثير صعابا كثيرة تضاف إلى المشكلات الامنية، لأن معنى المدينة المفتوحة هو أنه ينبغي حصرها بحدود تحيط بها، أي أن الشخص الذي يسكن في القدس ويعمل في تل ابيب سيضطر إلى أن يمر مرتين كل يوم من معبر حدودي ويعرض جوازا أو بطاقة أخرى. "لا توجد طريقة أخرى لتستطيع مدينة فيها مليون ساكن تقريبا أن تؤدي عملها مع مثل هذا التصور الامني"، يزعم غرينفيلد. والنموذج الذي يقترحه غرينفيلد وبار – سيناي تأليفي، فمن جهة تقسم المدينة إلى مدينتين. ومن الجهة الأخرى تكون منطقة البلدة القديمة وربما مناطق مجاورة أيضا ذات مكانة مميزة لا توجد لأي طرف سيادة كاملة عليها. والمبدأ الموجه في رسم الخط هو نفس المبدأ الذي أقره الرئيس كلينتون قبل 14 سنة ويقضي بأن تبقى جميع الأحياء اليهودية التي بنيت وراء الخط الأخضر في جانب الحد الإسرائيلي وكذلك أيضا مستوطنتا معاليه أدوميم وجفعات زئيف.
حينما يُنقل خط الحدود من الخرائط في غرف المباحثات إلى الأرض – إلى الشارع المقدسي المكتظ – تبدأ المشكلات. يؤمن غرينفيلد وبار – سيناي بأنه يمكن أن يُمد أكثر الخط على طول حدود بلدية موجودة أصلا في داخل مدينة حديثة. وكل ما يحتاج اليه كما يقولان الربط بين تلك الحدود وتقويتها. "نحن نجرب الحدود في حياتنا كلها"، تقول بار – سيناي. "فحينما تُمرر بطاقة لدخول القطار الأرضي مثلا فانك إذا تخيلت ذلك على هذا النحو فليس معقدا جدا. وحينما تدخل إلى الفاتيكان في روما يجري تفتيشك كأنك في مطار. فنحن نريد أن تكون البلدة القديمة مثل الفاتيكان. وليس ذلك مقرونا بتغييرات بعيدة المدى. ينبغي السير مع المدينة لا بعكسها وأن يتم فعل ذلك على صورة يستطيع الناس التعايش معها".
وصل لا فصل في هذا الوقت
حينما يُتجه إلى تخطيط الحدود جنوبي البلدة القديمة تنجم واحدة من أقسى المشكلات لمخططي الفصل وهي حي أبو طور. وهذا الحي الفخم هو طراز مميز لحي مختلط تمر فيه الحدود بين البيوت. وتنحصر المشكلة في المنطقة بين شارعين – أبو طور الفلسطيني وعين روغيل الإسرائيلي في أكثره. ولن يوجد مفر هنا سوى انشاء سور في قلب منطقة سكنية. لكن يثير غرينفيلد وبار – سيناي هنا أيضا عددا من الحلول لتليين الحدود كأن تمر الحدود مثلا في مسار يستغل الفروق في الارتفاع وأسطح البيوت القائمة للامتناع بقدر المستطاع عن انشاء أسوار جديدة، ويقترحان مع ذلك انشاء ما يشبه متنزه خط التماس على طول جانبي الحدود، بحيث يعطي الحدود صورة مكان جذب سياحي شيئا ما.
تمر الحدود في بعض الحي في حديقة عامة وقرب مبنى مركز جماهيري. ويقترحان هنا جعل الحديقة والمركز الجماهيري مشتركين للطرفين، مع أبواب دخول وخروج مزدوجة. "نخطط في الحقيقة للوصل لا للفصل"، يقول غرينفيلد. "لا أعلم هل يكون اتفاق أم لا لكن إذا كان فهذا هو المكان الذي ستمر الحدود منه، فلا يوجد مكان آخر، ولهذا يجب النظر إلى ذلك بجدية، وأكثر مما أدعو إلى انشاء اتفاق وتقسيم المدينة أدعو إلى تناول هذا السيناريو بجدية".
يرفض غرينفيلد – غيلات إلى الآن أن يتأثر بتوسيع الاحياء اليهودية، الذي يُهيج عددا من المنظمات اليسارية والادارة الأميركية من آن لآخر. فمهندس العمارة الذي يقسم المدينة لا يرى في زيادة عشرات الوحدات السكنية في غيلو أو بسغات زئيف شيئا مهما؛ إن المشكلات الكبيرة تنشئها على الخصوص المستوطنات الصغيرة بين السكان الفلسطينيين مثل مشروع انشاء مدرسة دينية جديدة كبيرة في الشيخ جراح. إن هذه المدرسة ويا لمبلغ السخرية، خُطط لها في نفس المكان الذي خُطط فيه للمعبر الحدودي الذي عرضه اولمرت على عباس.
كما قلنا من قبل يعرف غير قليل من الاشخاص في القدس ورام الله وواشنطن خطط سايا معرفة جيدة. وهما يجيبان عن سؤال ألا يخشون أن يفضي الاطلاع على تعقيد المشروع إلى أثر عكسي – أثر صد ويأس من القدرة على تنفيذ التقسيم – يجيبان بـ لا. "في أوروبا أيضا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يتخيل الناس أن تصير أوروبا إلى ما صارت عليه اليوم"، تقول بار – سيناي، "يوجد بُعد زمني ونُبين نحن فقط أن القدرة موجودة. فإذا كان البشر قد استطاعوا ايصال انسان إلى القمر فهم يستطيعون فعل هذا أيضا. إن مهمتنا هي أن نظهر أن كل تسوية ممكنة من جهة العمارة وأنها شيء يمكن تأميله لا الخوف منه فقط. وحينما تترجم الصعاب السياسية إلى مشكلات فنية يتبين لك أن الصراع قابل للحل".
"إن الوضع القائم أكثر يأسا بما لا يقبل المقارنة"، يقول زايدمان. "نحن نعيش في مدينة افتراضية. فهي مدينة إسرائيلية لكن 40 بالمئة من سكانها ليس لهم حق في الانتخاب. وهي مدينة مقسمة أخذت تتعفن وتنهار على نفسها. يقولون إنه توجد مشكلة صعبة لكن اليكم الحل. وهو ليس مثاليا لأنه سيبقى جرح، لكن يمكن السير بالبكيني أيضا".
"أفكر في ذلك كل يوم"، يضيف غرينفيلد – غيلات. "يصيبني اليأس ظهرا وأشرب كأسا في المساء وأعود إلى ذلك. لأنه ما البديل؟ لا يوجد انطلاق سريع رومانسي إلى غرق مع الفلسطينيين، لا توجد نهاية كهذه، وهذه هي الحقيقة القاسية. هذا هو الامكان الصهيوني الوحيد إذا أردت أن أضمن مستقبل أولادي في الدولة اليهودية. فجد لي من فضلك حلا آخر".

التعليق