من الممكن ان تحقق تونس أول نجاح في الربيع العربي، لكنها لم تصل هناك بعد

تم نشره في السبت 31 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً
  • رئيس الوزراء التونسي مهدي جمعة يتحدث في مؤتمر صحفي مؤخراً - (أرشيفية)

جوان ليدوم أكرمان* –(كريستيان سينس مونيتور) 27/5/2014

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تونس العاصمة- في الأزمنة الرومانية، كانت الحيوانات الكاسرة تتجول باستمرار أسفل المدرج الضخم للرياضات في تونس، متحفزة للوثوب والاشتباك في قتال مميت مع المجالدين. وعادة ما كان هؤلاء عبيداً يقاتلون دفاعاً عن أرواحهم، وأحياناً من أجل نيل حريتهم، فيما كان جمهور يتابع. وفي الفترة الأخيرة، خطوت على أرضية نفس المدرج، محاولاً أن أتخيل تاريخه - ومستقبله.
اليوم ، تنخرط تونس في كفاحها الخاص من أجل استدامة ديمقراطيتها الجديدة. وبالرغم من أنها بلد صغير-تبلغ مساحته 64000 ميل مربع يعيش فوقها 11 مليون نسمة- فإن تونس تظل حيوية بالنسبة للاستقرار الإقليمي. والآن، يبدو هذا البلد الشمال إفريقي القديم حيث بدأ الربيع العربي مرشحاً بقوة لأن يسجل أول قصة نجاح في المنطقة -شريطة أن يتمكن من الوصول باقتصاده الضعيف إلى بر الأمان، ولجم التهديدات المزدوجة المتمثلة في الإرهاب والجريمة، ومن ثم الاستمرار في الإصلاحات الحكومية التي تمس الحاجة إليها.
بعد ثلاثة أعوام أعقبت إقدام بائع متجول على إحراق نفسه احتجاجاً على تحرش السلطات والفساد المستشري، وثلاثة أعوام أعقبت نهوض المواطنين ورفضهم حكم الزعيم الأوتوقراطي الذي طال أمد حكمه، استطاعت تونس إرساء أسس مستقبلها. وفي كانون الثاني (يناير) وافق المواطنون على دستور جديد كانت مناقشته قد جرت على نطاق واسع، وتم إقراره بأصوات أكثر من 90 في المائة من أعضاء الجمعية التأسيسية. ولعل من الجدير الإشارة إلى أن كل الطبقات المجتمعية التونسية توافق على الدستور التقدمي، فضلاً عن أنها تفخر به، لا سيما وأنه يوازن بين الدين والدنيا، والذي يُنظر إليه على أنه نموذج يمكن أن تستلهمه المنطقة.
في علامة أخرى على التقدم، أقرت الجمعية التأسيسية مؤخراً قانوناً يؤسس هيئة قضائية لتحديد دستورية القوانين الجديدة، والتي سيجري استبدالها بمحكمة دستورية جديدة بعد الانتخابات التالية. وتفتح هذه الخطوة الطريق الآن أمام الجمعية لتمرير قانون لإقامة الانتخابات المقرر إجراؤها في هذا العام.
في هذه الأوقات، ينتظر العديد من المانحين والمستثمرين، وخاصة في الغرب وفي الخليج، هذه الانتخابات قبل تأكيد التزامهم بتقديم المزيد من المساعدات والاستثمارات. وفي الأثناء، يأمل المواطنون بأن لا يعاود التحزب القديم الذي قسم البلد بعد الثورة الظهور مجدداً. وكما قال لي أحد قادة النقابات، فقد ساعد هذا التوتر ساعد في تمهيد الطريق لتشكيل الحكومة الجديدة: "لقد تم القبول بالتكنوقراطيين كحكومة مؤقتة لأن الناس ضاقوا ذرعاً بالأحزاب السياسية".
خطة مارشال من أجل تونس
ما تزال التحديات الضخمة تنتظر تونس في قادم الأيام، ولعل أضخمها هو الاقتصاد الذي يظل مسيطراً عليه من جانب الدولة، ويعتمد على الدعم الكبير الذي لا تستطيع تقديمه. وكان رئيس الوزراء المؤقت، مهدي جمعة، قد زار الولايات المتحدة ومنطقة الخليج العربي في نيسان (أبريل) الماضي سعياً للحصول على مساعدات مالية، بما في ذلك ضمانات قروض.
في هذه الجولة، اتفق السيد جمعة مع مؤسسات، مثل صندوق النقد الدولي، على وجوب خفض برامج الدعم أو إنهائها، لكن هناك كلف سياسية أو مجتمعية سيترتب دفعها عندما ترتفع أسعار الطاقة والغذاء فجأة وينخفض منسوب التوظيف الحكومي. وأصلاً، يبلغ معدل البطالة راهناً أكثر من 15 في المائة، ويصل إلى ما يبلغ 40 في المائة في أوساط الشباب. وفي مظهر لحسن النوايا، أعلن الرئيس المنصف المرزوقي مؤخراً عن قراره خفض راتبه بنسبة الثلثين.
لكن مستقبل تونس لن يتأكد من دون توفر دعم مالي. وكما قال لي مصطفى بن جعفر، رئيس الجمعية التأسيسية، في تجمع صغير من المراقبين الدوليين: "إننا نحتاج إلى خطة مارشال صغيرة لتونس وللمغرب".
تهديد الإرهاب
ثمة تهديد آخر يستهدف تقدم تونس، والذي يتمثل في الإرهاب المعتمد على الأسلحة التي تتدفق من الحدود مع الجارتين، الجزائر وليبيا، إلى جانب التهريب في السوق السوداء. وفي هذا الصدد، قالت لي سهام بن سدرين، الصحفية المرموقة والناشطة في حقل حقوق الإنسان: "إن العصابات تتحكم في تهريب الأسلحة والمخدرات". وشرحت السياق الذي يولد العنف والنشاط غير المشروع، فقالت: "إننا لا نريد توفير غطاء ديني للجهاديين الذين هم في الحقيقة مجرمون. يتم خلق العنف بسبب الفقر. وهناك جيل من الشباب المهمش. ولا يوجد مال لدى الدولة. ويوجد المال في الاقتصاد الرمادي الذي يقول البعض إنه يشكل 60 في المائة من الاقتصاد".
بغية لجم تهديد التطرف العنيف وروابطه مع الجريمة، يجب على تونس الاستمرار في معالجة الفقر وأسباب اليأس والخيبة التي تغذيه. وهكذا، تكون الإصلاحات الاقتصادية والمساعدات الخارجية لدعم النمو الاقتصادي مهمة بالتأكيد لتأمين مستقبل تونس.
التخلص من القديم
يجب على تونس أيضاً تفكيك وإصلاح بنى الدكتاتورية القديمة، بما في ذلك الشرطة ووزارة الداخلية. ويقول مراقبون مطلعون إن نجاح الانتقال الديمقراطي في البلد يعتمد على قدرة الحكومة على تطبيق اللامركزية أيضاً. وكان تركيز الحكومة على المستوى القومي قد أنجب الفساد. وكما قالت السيدة بن سدرين، فإنه "طالما ظلت الإدارة مركزية، فإنها تحصل على العديد من المزايا". وقد تم تكريس فكرة اللامركزية (تأسيس المزيد من الحكومات المناطقية الممكنة) في الدستور الجديد من أجل السماح بتوزيع منصف للعوائد والحوكمة.
من جهته قال رئيس الوزراء السابق حمادي الجبالي لي ولمجموعة من الزوار الدوليين: "ما يزال البلد مقسماً إلى ساحله الثري وداخله الفقير". وهكذا يتطلع بعض المشرعين إلى إعادة ترسيم الأقاليم بحيث تحتوي كل واحدة على مناطق ساحلية وأخرى داخلية".
مسوغات الأمل
على الرغم من التحديات التي تواجهها تونس، فإنها تتوافر على العديد من المزايا التي تهيؤها للتقدم. ومنها أنها تتوافر على مواطنين متعلمين (الرجال والنساء على حد سواء)، وتتمتع بمعدل تعليم يصل إلى 90 في المائة. كما تشغل نساء مواقع رئيسية في القطاعين العام والخاص.
بالإضافة إلى ذلك، يسهل قرب تونس من أوروبا (جغرافيا وثقافيا وتاريخيا) تنشيط قطاعي الصادرات والصناعة. كما توفر تونس جسراً تاريخياً بين الإسلام والعلمانية، وهو ما لعب دوراً رئيسياً في انتقالها الديمقراط، والذي سيساعدها في المحافظة على الدعم الدولي اللازم للمضي قدماً.
عندما وقفت أتأمل مدرج تونس الشهير (مكان تصوير فيلم "المجالد") كان هناك شيئان واضحان عندي: إن وحوش الفقر والإرهاب والإجرام تنتظر في الأسفل لتدمير حلم تونس الديمقراطي. لكن تونس مهيأة أيضاً لإظهار أن المزيد من القوى الأكثر تطوراً واعتدالاً، مصحوبة بتصميم المواطنين على ممارسة الديمقراطية، يمكن أن يسودا.
نحن-المجموعة الدولية- هم المشاهدون في هذه المباراة الكبيرة. لكننا لا نستطيع الجلوس وسط الجمهور والمراقبة فقط. ومن أجل تونس -والمنطقة- يجب على العالم الانخراط ودعم تقدم تونس الاقتصادي والسياسي. وقال لي أحد الحكام المحليين: "نحن مصممون وعاقدو العزم على أن ننجح ونبني دولة ديمقراطية. لن نرجع إلى الوراء!".

* زارت قادة سياسيين وإداريين ومجتمعيين في تونس كجزء من رحلة مؤخراً مع مجموعة الأزمات الدولية، وهي العضو في مجلس إدارتها. وهي أيضاً مراسلة سابقة للمونيتور.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Tunisia could be the first Arab Spring success. But it is not there yet

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق