براءة

تم نشره في الجمعة 6 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

د. سلمان بن فهد العودة*

في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، جاملتْهم ونظرتْ إليهم، وقالت: إني أحبكم. كانت تستثني تلميذا واحدا أمامها لا يلعب؛ متسخا غير مبهج، وكانت تصحح أوراقه بقلم أحمر عريض وتضع علامة (x)، ثم تكتب "راسب".
بعد الحصة راجعت ملفاته ففوجئت.
في السنة الأولى: ذكي - مرح - مهتم بدراسته - دمث الأخلاق.
في الثانية: نجيب ومحبوب، ولكنه منزعج وقلق بسبب مرض والدته.
في الثالثة: كانت وفاة أمه صعبة عليه، ووالده غير مهتم.
في الرابعة: منطو على نفسه، ولا رغبة لديه في الدراسة. ليس له أصدقاء، وينام أثناء الدرس!
بعد أيام، كان هناك حفل في الصف. أحضر لها هدية ملفوفة في كيس نايلون، بينما جميع زملائه أحضروا هداياهم مغلفة. فتحت الهدية، فضحك الطلاب: عِقد مؤلف من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر فيها ربعها. كفّ الطلاب عن الضحك عندما عبرت المُدرسة عن إعجابها بالعقد ولبسته، ووضعت قطرات من العطر على يدها.
في آخر اليوم قال لها: رائحتك اليوم تشبه رائحة أمي! فانفجرت باكية لمدة ساعة.
بدأت تهتم به. عقله يستعيد نشاطه، ويستجيب أسرع من أكثر الطلاب تميزاً. لقد منحته الحب.
أرسل لها مذكرة: أنت أفضل معلمة قابلتها في حياتي.
بعد سنوات أرسل لها: أكملت الثانوية بتفوق. وبعد أربع سنوات أرسل لها: تخرجت من البكالوريس بدرجة الشرف الأولى. وبعدها أرسل لها رسالة شكر؛ كان اسمه طويلا بعض الشيء "دكتور". وذكر لها أنه سيتزوج ودعاها إلى العرس، حيث جلست مكان أمه، وكانت ترتدي العقد الذي أهداه لها.
قال: أشكرك أن جعلت مني تلميذًا مميزاً.
قالت: أشكرك أن جعلت مني معلمة مميزة.
هو الآن طبيب شهير، مسؤول عن جناح لعلاج السرطان في مستشفى بولاية "أيوا" بالولايات المتحدة الأميركية.
الطفولة قرينة الإنسانية؛ في شريعتنا وعند معظم فقهائنا، فالأطفال في الجنة إذا رحلوا. وهي المرحلة العمرية الممتدة من الولادة إلى البلوغ: "أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء" (النور، الآية 31).
هي مرحلة ضعف تحتاج إلى رعاية بدنية ونفسية واجتماعية. والتوجيه الذي يتلقاه الطفل يترك أثرا بالغا طيلة الحياة. كما أن العادات تنشأ هنا وتتحكم في المصير.
أطيب الطعام عندي ما يشبه طعام أمي حين كانت تضع السمن في التمر، وتسخنه بالنار، وتسميه "قشدة". وأزكى الروائح ما كنت أشمه في مخدعها، وأجمل الكلمات ما تنثره من فمها، وتختزن الذاكرة الكثير منها. وأعذب الأصوات صوتها تتغنى بالقرآن، أو تترنم بالشعر، وربما كان من شعرها أو شعر بعض صديقاتها.
الأجواء المضطربة عائليا، أو نتيجة الحروب والصراعات، تؤثر في الشخصية (العراق، فلسطين، سورية، اليمن..). والاهتمام بالجوانب النفسية والعقلية والعاطفية يساعد على النجاح؛ إذ يتشرب الطفل بسهولة المبادئ الجميلة والأخلاق.
العنف والحرمان مشكلة الأطفال الكبرى. ففي مدينة سولابور في الهند، يرمون الطفل في الماء من ارتفاع 50 قدما ليكون أقوى وأصح! كما يحملون السلاح في أفريقيا. ويقدر عدد الأطفال المشتركين في نزاعات حول العالم بثلاثمائة ألف طفل، يعملون مقاتلين وجواسيس وحمالين وطباخين، فيما تستخدم الفتيات للترويح والابتزاز الجنسي. كما يقومون في العالم العربي بأعمال تشكل خطرا على حياتهم وصحتهم وتعليمهم ومعنوياتهم وأخلاقهم، إنهم "أطفال الشوارع"؛ الفقر يجعلهم متسولين أو منحرفين.
لا يمكن قياس حجم العنف المرتكب ضد الأطفال، وهناك نقص في البيانات؛ فأكثر ما يحدث يقع سرا ولا يتم البلاغ عنه، والتقديرات تشير إلى تعرض نحو مليار طفل للعنف.
مصادرة حياة الطفل عادة جاهلية (الوأد): "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ" (التكوير، الآيتان 8 و9). ما عسى أن يكون ذنب الأطفال؟
ما تزال مجتمعات متخلفة تقتل أحد التوائم، والمشوهين، والمولودين خارج إطار الزوجية، أو من يولد قبل فطام أخيه! ومجتمعات أخرى تقوم ببيع الأطفال أو رهنهم! ومجتمعات تحامي عن تزويج الصبايا دون البلوغ، متغافلة عن الدوافع وغياب الضمير عند الأولياء.
الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت والشبكات الخفية، ظاهرة عالمية خطرة. وقد كشفت تحقيقات "الإنتربول" عن عشرات المجموعات تشارك في عرض وتوزيع صور للاستغلال الجنسي للأطفال، ونشرها والاتجار بها. ووضع هذه الصور على الشبكة يعني أنها ستظل محفوظة وسيتم تداولها.
كثيرًا ما تقع جرائم استغلال يرتكبها أشخاص يفترض أنهم محل ثقة الصغار، فيبدو وكأن العمل يحصل بإرادتهم، فيما الطفل غير قادر على أن يبدي اعتراضه على الممارسة الجنسية، فهي جريمة واستغلال للطفولة البريئة.
وفي الخليج يوجد حالات شذوذ في المدارس والجامعات والتجمعات، ويتم تصوير بعضها وإدراجها بقصد الابتزاز أو الانتقام، في غياب جهة مسؤولة عن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد تكون المقاطع مصحوبة بأسماء صريحة لأبرياء لا علاقة لهم، أو لأطفال أو لأناس مروا بمرحلة سفه ثم تجاوزوها.
تصوير حفلات رقص في زواج أو مناسبة وطنية لكبار وصغار، مع تلميحات غير بريئة وملامسة ونظرات، أمر يحتاج إلى معالجة، وتفريق بينه وبين الأشياء العادية، كما حماية الطفولة من العدوان الصادر من بعيد متهدد، أو قريب مترصد!



*داعية سعودي، والمشرف العام على موقع "الإسلام اليوم".

التعليق