استعادة أنيس صايغ: عميد الذاكرة الفلسطينية والقومية

تم نشره في الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014. 11:00 مـساءً
  • غلاف الكتاب - (من المصدر)

غازي الذيبة

عمان - احتفت سيرة الكاتب والمفكر الفلسطيني الدكتور أنيس صايغ، بلحظات استثنائية، شكلت شخصيته الفذة، ومنحت التاريخ العربي الفلسطيني واحدة من العلامات المشرقة في حياة الفلسطينيين الذين ما يزالون يعانون من احتلال العدو الصهيوني لأرضهم وتشريده لهم.
فالمفكر الذي ولد في طبريا، ظل يحتفظ برائحة مدينته التي تشكل وجدانه العروبي في أرباضها، منذ أن رأت عيناه النور على سفوح بحيرتها العام 1931، وبقيت هذه الرائحة متعلقة بروحه حتى رحيله عن عالمنا العام 2009 في عمان، ليوارى جثمانه في بيروت.
ومنذ اللحظة الأولى لملمح تكوينه إنسانيا، يستدرك كل من يقرأ سيرته ذلك الاشتباك العروبي في بنية أسرته، فوالده القسيس الإنجيلي عبدالله، سوري ولد في بلدة شعارة قرب مدينة حمص العام 1883، وأمه عفيفة البتروني ولدت في بلدة البصّة الفلسطينية، وهي ابنة لبناني تزوج فلسطينية، لتتشابك شخصيته الفريدة في هذا المناخ "فلسطيني ووالده سوري ووالدته لبنانية مولودة في فلسطين، تزوج من أردنية وعاش في لبنان" كما يفصح الباحث صقر أبو فخر، جاء ميلاد أنيس في اليوم الثاني لذكرى إعلان وعد بلفور المشؤوم.
واستذكارا لأنيس العروبي الفلسطيني الإنسان، أصدر أصدقاؤه كتابا، يرصد تاريخه الذي لا ينفصم عن تاريخ قضية فلسطين إلى جانب مقالات وأبحاث تتعلق بفلسطين، تحت عنوان "دراسات وأبحاث في القضية  الفلسطينية.. تكريما للباحث والمناضل الدكتور أنيس صايغ"، وضع مادته أكثر من خمسين سياسيا وكاتبا وباحثا ومفكرا ومناضلا.
تشكل مادة الكتاب مرجعا أساسيا في تناول سيرة الصايغ، إلى جانب حوارات أجريت معه، وغلبت مادة البحث حول فلسطين وقضيتها على معظم أجزاء الكتاب، في إشارة واضحة للقائمين عليه، تفيد بأن أنيس لم ينفصل عن قضيته، وأن التزامه بفلسطين هو ما شكل وجدانه الفكري والنهضوي القومي.
اشتمل الكتاب على سبعة أقسام، الأول: د.أنيس صايغ.. حوارات وآراء بعض رفاقه، الثاني: الصهيونية.. نشأتها وعلاقاتها، الثالث: البعد القومي للقضية الفلسطينية، الرابع: رموز عربية وفلسطينية في مقاومة الصهيونية، الخامس: على طريق الاستسلام، السادس: علامات الهزائم والخروج على الثوابت القومية، السابع: فلسطين ومتطلبات المقاومة.
ففي نحو سبعمائة صفحة، يتنقل الكتاب بين سيرة أنيس الذي تعرض لمحاولة اغتيال على يد الموساد الإسرائيلي العام 1972 بعد أشهر من اغتيال الكاتب غسان كنفاني، حين انفجر طرد ملغوم بين يديه، فتسبب ببتر اصبعه وضعف سمعه، ومعالجات وقراءات في مسار القضية الفلسطينية، جامعا بذلك بين دفتيه، أكثر من خمسين مادة تراوحت بين البحث والتسجيل والرأي والدراسة.
وأنيس الذي عده المشتغلون بالقضية الفلسطينية من باحثين ودارسين، يعتبر عميد البحث العلمي الفلسطيني، فهو مدير مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسس الموسوعة الفلسطينية، ومجلات شؤون فلسطينية، وشؤون عربية، والمستقبل العربي. شقيقاه: الأول يوسف، أحد الخبراء الاقتصاديين البارزين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية للمنظمة، ومدير عام مركز التخطيط ورئيس الصندوق القومي الفلسطيني، والثاني فايز الأستاذ الجامعي، ومدير مكتب الجامعة العربية في نيويورك، ومؤسس مركز الأبحاث الفلسطيني، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، واللجنة التنفيذية للمنظمة، أما توفيق شقيقهم الثالث، فبرز كأحد رواد الشعرية العربية الحديثة.
يحيلنا الكتاب التكريمي إلى أكثر من فضاء في الحديث عن أنيس وتجربته البحثية وعمله الدؤوب على إنجاز مشاريع بحثية ومؤسسات ومجلات ذات صبغة قومية، تستقي روحها من فضاء القضية الفلسطينية، وترتبط بها ارتباطا وثيقا، يؤكد على الصبغة القومية لهذه القضية التي تعني كل عربي، وتشكل وجدانه القومي.
ولعل اللجنة التي أشرفت على إصدار الكتاب، وتشكلت من: أحمد السعدي وإياد الشقيري، وجواد يونس، ومازن النشاشيبي، وعبدالله حمودة (مقررا)، كانت على يقين من ان إصدار كتاب عن أنيس، لا بد وأن يمتثل لهواجس أنيس نفسها وتطلعاته، سواء أكان في المجال القومي أم في القضية الفلسطينية أم في العمل البحثي.
ففي مناخات الكتاب، نقرأ دفء أنيس، وكيف كان مشتبكا مع الهموم القومية، ودأبه على تفعيل صداقاته وخبراته بما يخدم هذه القضية، فهو بحق كرس كل حياته لخدمة الدفاع عن فلسطين وتعزيز النهج القومي المرتبط بكينونة القضية.
لذا، شكلت المادة الفكرية للكتاب سواء أكانت عن أنيس أم عن القضية لحمة واحدة في تقديم هذه الشخصية الفذة التي شارك في الكتابة عن صاحبها كثيرون، لكن هذا الكتاب يحظى بخصوصية فريدة لما اشتمل عليه من مشاركين ومن مواد، تحقق للقارئ مساحة معرفية ثرية بأنيس وانشغالاته.
وممن كتبوا تكريما لصديقهم ورفيق دروبهم النضالية والفكرية، صقر أبو فخر، رشاد أبو شاور، عبدالعزيز السيد، بيان نويهض الحوت، بسام أبو غزالة، هارون هاشم رشيد، نصري صايغ، هشام البستاني، إياد الشقيري، عوني فرسخ، عبدالله حمودة، عبدالقادر ياسين، وسلمان أبو ستة، والقائمة تطول.

التعليق