د.باسم الطويسي

الإفلات من العقاب

تم نشره في الأحد 15 حزيران / يونيو 2014. 12:04 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 15 حزيران / يونيو 2014. 09:49 صباحاً

استقبل مجهولون الدورة الصيفية من امتحان الثانوية العامة بإحراق إحدى قاعات الامتحان في إحدى مناطق محافظة مادبا، استمرارا لسلوك عدائي ازداد في الدورة الماضية من هذا الامتحان، وشكل رد فعل على الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم للحد من أعمال الغش والفوضى التي برزت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت في الدورة الشتوية الماضية عشرات الأعمال العدائية التي تعرضت لها قاعات الامتحان، وأغلب إن لم يكن جميع مرتكبيها افلتوا من العقاب ولم نسمع عن أي إجراءات عقابية  تمت بحقهم.
وكان قد توجه أمس السبت نحو 124 الف طالب وطالبة إلى امتحانات الدورة الصيفية من التوجيهي بعد إجراءات غيرعادية شهدتها الدورة الشتوية الماضية من ناحيتين؛ محاولة الوزارة استعادة هيبة الامتحان، ومن ردود الفعل التي واجهت هذه الإجراءات. في المقابل جاءت أيضا نتائج الامتحان فارقة، وعكست حالة النظام التعليمي وما وصل اليه، في حين كان من المؤمل ان تلاقي هذه الإجراءات متابعة جدية من الجهات السيادية الأخرى في متابعة الاعتداءات والتهديدات وأعمال الفوضى التي حاول أفراد ان يسببوها في مناطق مختلفة من المملكة لإعاقة الامتحان أو لتسهيل أعمال الغش، لكن لم نلمس هذا الأمر، وبمجرد انتهاء الامتحانات والحديث قليلا عن تداعياتها، أُغلق الملف إلى هذا الوقت حيث من المنتظر أن يفتح من جديد مرة أخرى حينما تسجل اعتداءات جديدة.
الإفلات من العقاب أسوأ ما يمكن أن ندير به الأزمات، وتحديدا تلك الأزمات ذات المساس بالعمق المجتمعي، فالتساهل وتمرير النَّيْل من المصلحة العامة يؤسسان لجعل الاستثناء هو القاعدة، ولجعل ذهنية العصابة فوق سلطة القانون، والإفلات من العقاب هو الذي شجّع على استسهال حائط الدولة لمن هب ودب، حينما تراخت يد الدولة خلال السنوات الماضية عن وقف الاعتداء الآثم على شرف التعليم.
نعلم أن هناك مناطق ومدارس كانت عمليات الغش فيها تتم نهارا جهارا بدون رادع، حتى كانت توصف بمناطق محرمة على الرقابة. إن مهمة ضبط سير امتحان التوجيهي وتوفير الأمن له ليست مهمة وزارة التربية والتعليم وحدها بل مهمة عدد من مؤسسات الدولة، وقبل ذلك مهمة مجتمعية تحتاج إلى جهد تراكمي، يجعل من العبث بالامتحانات في المدارس والجامعات وفي امتحانات النقابات واختبارات التنافس للوظائف العامة وغيرها من أنواع الامتحانات امرا لا يغتفر يمس شرف المجتمع بأكمله وينتفض المجتمع من أجله لا أن يمرره بكل سهولة.
تحتاج السلطات الثلاث إلى تكاتف خلف فكرة الجبر القانوني؛ أي ما قد يصل حد التطرف في الالتزام  بتطبيق القانون من دون هوادة، لا كي يستعيد القانون مكانته وحضوره وحسب، بل ولفرض ثقافة الحق والشرعية والعدل وتكافؤ الفرص على سلوك الأفراد والجماعات، وفي حياتهم اليومية، وبحيث تتحول القواعد القانونية إلى جزء من السلوك اليومي للناس؛ أي إلى تقاليد لها قوة معنوية كبيرة، قادرة على الاستمرار حتى لو نسي الناس القانون. وهناك  العديد من الأمثلة على أهمية فكرة الجبر القانوني في مسار بناء الدولة، وكيف تحولت القواعد القانونية إلى تراث، بعدما أصبحت جزءا من الثقافة اليومية التي يتنفسها الناس. هذا المنتظر بعد ان اكتشفنا معا، الدولة والمجتمع، حجم الضرر الكبير الذي لحق بالجميع نتيجة ثقافة الإفلات من العقاب.

التعليق