العبدلي وبيتكم عامر

تم نشره في الأربعاء 18 حزيران / يونيو 2014. 12:00 صباحاً

ضحى عبدالخالق

نزلتُ صغيرة في أول زيارة لمنطقة "العبدلي" للتبضع من محل "بوتيك"، في عصر كانت فيه محال بعينها هي الوكيل الوحيد والحصري في العاصمة عمان، وقبل اتفاقيات التجارة المفتوحة وقوانين التنافسية التي أسست لتعدد جهات الاستيراد وحرية التجارة. فمعظم ما نراه اليوم من بضائع في المخازن الكبرى، والتي نعتبرها من مسلّمات العيش، كانت قد استوردتها طبقة التجار التي عملت من منطقة البلد بامتدادها، ومن منطقة العبدلي. وتلك هي الفئة المؤثرة التي حددّت المواصفات والذوق العام، معتمدة على محبة الناس، وعلى خدمة ما بعد البيع، واسم الشهرة، وإن جاء ذلك بأسعار وشروط لم تكن بالضرورة في متناول يد الجميع! من هناك ظهرت الوكالات التجارية، فتكوّنت بذلك أولى الثروات وثروات الطبقة الوسطى في البلاد، ما ساهم في بناء اقتصاد مفيد، انتعش بعدها، بحكمة التجار الأوائل وصبرهم وعملهم الموصول إلى يومنا هذا.
وفي الفضاء حقيقة أخرى، هي أن النساء في الأردن لم ينزلن قط إلى الشارع العام  لـ"الكسدرة" أو السياحة! الرجال فقط من حكم الفضاء العام طوال الوقت، من البلد ومن مساحة العبدلي.
لم يتنبأ وقتها "نوسترداموس" بأنّ دير غبار ستصبح أهمّ من أديرة الورديّة المُنتشرة في جبال عمان المتناثرة، وبأن عبدون ستسحب السفارات والسفراء من زهران. وبأن مُلك الباشا الجدّ الرابع سيتحول إلى مطعم  مشهور، أو أن المشي في شارع  الرينبو سيتحوّل في يوم إلى تجربة عدّ لألوان قوس قُزح بعد ليلة ماطرة في باريس، وبأنّ "المونمارتر" هو في طلعة المصدار، وبأنّ فرعا مهمّا للبنك العربي ستُديره امرأة، وأنّ للصبايا أن يجلسن في المقاهي المُعبّقة برائحة القرفة!
بناء العبدلي الجديد هو أقرب إلى النهضة منه إلى مشروع عقاري، لأنه النقلة الأولى من نوعها للذاكرة الجمعيّة للناس نحو فضاء من القواسم المشتركة بشكلها المُعاصر. هو اختزال للشيء المحسوس والملموس، عكس عبثيّة العيش الطوباوي في الفكرة. والعبدلي أيضاّ رمزيّة لمصالحة تاريخية مع فكر "العمار"، ومن قبله مكونات ذات المكان والذاكرة المُتحوّلة!
الأمينُ والمأمون في الأردن. والبنّاؤون الجدد يقطنون بيت إبداعات الفارابي وابن سينا. والمكان سيتألّق حتما. وكل ٌما يحدث من بناء وعمار هو رائع وجميل.. وبيتكو عامر!

التعليق