بحثاً عن الحل!

تم نشره في الجمعة 20 حزيران / يونيو 2014. 11:00 مـساءً

تراجعت جاذبية شعار "الإسلام هو الحل" بين عامة المسلمين، على مدار السنوات العشرين الأخيرة، بعد أن كان الشعار شديد الجاذبية بالنسبة لكثيرين بادئ الأمر. واليوم، يستطيع أي مراقب محايد وموضوعي، ملاحظة أن ذلك الشعار لم يعد يعني كثيراً بالنسبة للناس، بل يمكن القول إن طارحيه إنما يتمسكون بطرحه لأنهم لا يستطيعون -أدبياً- التخلي عنه وحسب، لا لأنه يمثل برنامج عمل فعلي بالنسبة لهم.
ربما أسهب كثيرون في انتقاد شعار "الإسلام هو الحل"، انطلاقاً من أنه يستند على دغدغة العواطف الدينية للجمهور. لكن تراجع جاذبية الشعار ليس سببه أنه لم يعد قادراً على دغدغة العواطف، ولا أن العواطف لم تعد تجد من يدغدغها، فالشعار موجود كما أن العواطف الدينية موجودة؛ لقد تراجعت جاذبية الشعار لأنه احتوى في الأصل على بذرة تجعل جاذبيته مؤقتة مهما طال الزمن، وهي المتمثلة في أنه يقول للناس حُكماً، إن رافعيه هم الإسلام، وليس من إسلام سواهم: انتخبونا يفوز الإسلام! وهي فكرة قد تنطلي على الناس بعض الوقت، لكنها لا يمكن أن تنطلي إلى الأبد. فقد لاحظ الناس أن الطبيعة البشرية التي ترتكب الأخطاء بحكم إنسانيتها، لا يمكن أن تكون هي المطابقة والمرادفة للإسلام، بحيث تتوحدان فتقول النفس البشرية: أنا الإسلام. لقد لاحظ الناس أن أصحاب الشعار يخطئون كما يصيبون، فكيف إذن سيكونون هم دين الله الذي لا يأتيه الباطل؟ وهكذا، استنتج الناس بعد هذه السنوات أن "الإسلام هو الحل" ليس إلا مجرد شعار، ولا يمكن القبول به في الواقع العملي.
ثمة أيضاً سبب موضوعي لتراجع جاذبية الشعار. فالطريقة التي قُدّم وفُهم وفُسر بها، جعلته منفصلاً عن الواقع انفصالاً ظل يتزايد بمضي السنوات، حتى بات كبيراً وشاسعاً. إذ عُني بالشعار أننا نريد العودة إلى تراث المسلمين المزدهر والمنتصر كي نحل مشكلاتنا الحضارية والتاريخية، بما فيها تحرير الأرض، وبكلمات أخرى فقد قُصد بشعار "الإسلام هو الحل" أن الماضي هو الحل. مثّل ذلك الطرح فتحاً جديداً أول الأمر، واقتراحاً وجد آذاناً صاغية من أمة تعبت من تجاربها السابقة التي بدأت مع جمال عبدالناصر ولم تنته مع صدام حسين. لكن بمرور الوقت، تبين للناس الذين يشيحون وجوههم اليوم عن ذلك الشعار أن المسألة لا تكمن في ماهية "الأيديولوجيا" التي نضعها في التطبيق، بقدر ما تكمن في استعدادنا للعمل كأمة من أجل نهضتنا: هل نحترم الوقت؟ هل نحترم النظام العام؟ هل نتقن أعمالنا؟ هل نستطيع تجاوز البنية القبلية لمجتمعاتنا نحو المدنية؟ وتلك مسائل لا يجيب عنها ذلك الشعار المقتضب الذي يُرجع الخير كله للماضي، ولا يعد بالمستقبل.
تراجعت جاذبية الشعار ليس لأن الإسلام لم يعد بالنسبة لكثيرين هو الحل، بل لأنه أساساً، وبذلك الطرح التراثي، ليس طرفاً في مشكلة التخلف الحضاري الذي نعيشه. فأمم الأرض، مشرقها ومغربها، تنجح في إحراز النهضة لأنها تبني مجتمعات متطورة ومتمدنة تُعلي قيم الالتزام والمواطنة، وتنجح بالتالي في إقامة دول تؤطر تلك المجتمعات وتخطط لها ومعها. الإسلام سيكون هو الحل حين يمثل مفتاحنا لتحقيق تلك القيم. لكن طارحي الشعار لم يقولوا ذلك أبداً، بل قدّموا خطابات عامة، وتعاملوا مع شعارهم لا باعتباره فكرة للنهضة، بل وسيلة لمعالجة ثغرات الحاضر، لعل الحاضر يصير مطابقاً للماضي، ظناً منهم أن تلك هي الطريق لإرضاء الله واستجلاب نجدته!
الإسلام هو الحل: نعم. ولكن ليس على الطريقة التي يُقدّم ويُفسّر بها اليوم؛ ذلك أن الإسلام الذي يقدمه الشعار ليس -أساساً- نقيضاً للمشكلة!

التعليق