لن تصفو لك!

تم نشره في الجمعة 27 حزيران / يونيو 2014. 11:01 صباحاً

د. سلمان العودة*

أخي الإعلامي، أنا لا أخاطبك أنت؛ فأنت مؤتمن على الكلمة، وأرجو أن تكون لها أهلاً. إنما أخاطب أخاً لك تزيَّا بزيِّك، واستخدم أدواتك، وأخذته حماسة الوقت، واندفع لا يلوي على شيء يردد ما ليس له به علم!

أخي الحبيب.. 

كنت أحب أن تعامل غيرك بالعدل والقسط الذي أمر الله به؛ لأنه أقرب للتقوى، وأسلم للصدور، وأبعد من مغبة الأحقاد المتوارثة التي تذر الديار بلاقع! ولا أظن عاقلاً يعرف تاريخ مجتمعاتنا يرضى تحت أي ذريعة بنشر ثقافة الكراهية والبغضاء والاتهام والتصنيف الأعمى، والزجّ بالبسطاء في ميدان لا يحسنونه!

كنت أحب إذ لم يكن العدل متاحاً في نظرك، أن تتعامل بشيء من المروءة، وكرم الأخلاق، وتقدير مشاعر الآخرين.

كنت أحب أن تغار على وطنك وأهلك وعروبتك؛ أن ترى العالم المتحضّر يحتكم إلى موازين صارمة في الحقوق الإنسانية داخل مجتمعاته، ويحظى بأمن سياسي واجتماعي لا نظير له، ووعي إنساني، وتكافؤ في الفرص الحياتية من دون تمييز، ويحمي أعراض الناس من قالة السوء بميزان ذهبي لا يسمح بالتجاوز، ولا يرجئ العدالة ولا يعطي المذنب فرصة الإفلات. بينما تعيث في مجتمعات العرب مشاعر التحاقد والتحريض والتشويه!

كنت أحب أن تعتبر من أحداث التاريخ البعيد وتقلّبات الأيام كما قيل:

هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتها دُوَلٌ

مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ

أو أن تعتبر من تقلبات الأحوال المعاصرة؛ فعلى مدى عمري وعمرك شاهدنا قيام دول، وسقوط دول، وتغير حدود، ورأينا سادة متصدّرين تحوَّلوا إلى سجناء أو قتلى أو مطارَدين أو محاربين، إلى جوار ضعفاء ومضطهدين كشف الله كروبهم، وأظهر حقهم، وكَبَت عدوهم.. فمن أراد الجاه العريض فليتوكل على الله الذي لا يموت.

كنت أحب أن تدري أن الدهر دول، والأيام حبلى بكل عجيب، وأن دوام الحال من المحال، وأنها لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، ولو دامت لك ما وصلت لغيرك!

ولست أنت أول من اتخذ زاوية أو اقتعد عموداً أو ترأس أو اشتهر!

كنت أحب أن تعتبر من المرض والضعف الذي يعتري ابن آدم أيَّاً كانت قوته وشدته ومنعته، فما يزال يسري في جسده سريان السم في العروق، حتى يُقعده ويُعجزه عن فعل ما يشتهي ويريد.. وأن ترى ذلك فيمن حولك ومن عرفت من الصديق والقريب.. أو أن تتأمل لحظة كآبة تمر بك لسبب تافه، فتجعل الدنيا عندك أضيق من جب إبرة، وتُغيِّر حساباتك وموازينك، وربما استعجلت الموت أو تمنيته، وربك يمهل ويجود، ويبدل الضيق بالسعة، والعسر باليسر وهو الفعَّال لما يريد.

كنت أحب لك أن تخشى من دعوة مظلوم تسري بليل والناس عنها غافلون، يفتح الله لها أبواب سماواته ويقول، وقوله الحق: "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".

ما هو الظلم؟ أن تكذب على أخيك أو تشيع عنه الأباطيل، أو توظف أداتك الإعلامية في تسميم عقول بريئة. ألم تسمع بالرجل الذي يُشلخ شدقه يوم القيامة، لأنه يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق؟

كنت أحب إذ وقفت مصلياً أن تحاسب نفسك بين يديه، وهو العليم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو سائلك عن النقير والقطمير، والقليل والكثير، وعن مسؤولياتك كلها؛ دقها وجلها، أولها وآخرها، سرها وعلانيتها.

كنت أرجو لك أن تعتبر بنفسك، فما كرهته لها فاكرهه للناس.

أتحب أن يفترى عليك القول بغير برهان؟

أتحب أن يتلصص مجهول على بيتك وأسرتك، وذهابك وإيابك، ودخولك وخروجك؟

أتحب أن يقهرك أحد أو يصادر شيئاً من حريتك بغير هدى من الله؟

أتحب أن يحرمك إنسان مثلك من لحم ودم حقاً شرعياً أعطاكه الله يوم خلقك، وولد هذا الحق بميلادك وليس بميلاد مواثيق دولية؟

كنت أحب لقلمك أن يكون مبضع جراح؛ يكشف الزيف والفساد، وينبري للدفاع عن الحق، ومقارعة الباطل، ويعد ذلك من أعظم أبواب الجهاد، ويرجو أن يكتب له في ذلك حسن الأحدوثة في الدنيا وحسن ثواب الآخرة يوم يقوم الأشهاد.

كنت أحب إذ حملتك طماعة أو قناعة على تجاوز أن تهدئ من قلمك، وتنهنه من اندفاعك، فالعرب تقول: "أَبْقِ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا"، وربما صار عدو اليوم صديق الغد، و"عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الممتحنة، الآية 7).

كنت أحب لك ذلك. وما أزال أحب لك ذلك، فـ"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (متفق عليه).

وما يزال في العمر متسع لتدارك ما فات، والفرص تأتي متنكرة وتكرر عرض نفسها، وباب الله واسع لا يضيق بعائد ما لم تغرغر الروح أو تطلع الشمس من مغربها.

وربما أذن الله للفرص أن تذهب بغير رجعة حينما لا يكترث لها الناس: "وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ" (الأنعام، الآية 110).

أيها القاعد على عرش ذاته؛ مسؤولاً عن ماله، وعلمه، وعمله، وعمره، أو على عرش قناة أو مطبوعة أو حساب، وأنت مؤمن تعلم أن الله سيستوقفك بين يديه، ويسألك عما استرعاك، حفظت أم ضيّعت، وأنت أسير يطلقك العدل أو يوبقك الجور.

اللهم اهد بآياتك قلوباً غلفاً، وبصِّر بها أعيناً عمياً، وافتح بها آذاناً صما يا أرحم الراحمين.

اللهم اجمعنا على ما تحب وترضى، ولا تجعلنا من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون.

 

*داعية سعودي، والمشرف العام على موقع "الإسلام اليوم"

التعليق