في ظلال لبنان

تم نشره في السبت 5 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً
  • لبنانيون يتظاهرون ضد النظام الطائفي في بلدهم - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

روبن رايت* – (نيويورك تايمز) 29/6/2014

أصبح العراق اليوم يطل على حافة الهاوية التي شهدها لبنان خلال الأيام الأكثر قتامة من حربه الأهلية، ذلك الصراع الطائفي الذي كان الأول والأطول في العالم العربي ما بعد الكولنيالي. وقد انجر ذلك الصراع منسحباً على 15 عاماً دموية. وكانت الكلف البشرية في بلد أصغر مساحة من ولاية كونكتيوت مذهلة: 150.000 قتلوا، ونحو مليون شخص –ما يعادل ربع السكان- شُردوا من ديارهم. كما انهار الاقتصاد ووصلت قيمة الدمار إلى مبلغ قارب 25 مليار دولار. وعلى طول الطريق، أنتجت الميليشيات اللبنانية تكتيكات، من أبرزها التفجيرات الانتحارية، والتي أصبحت تخالط الأعمال القتالية المشابهة في كل أنحاء العالم منذ ذلك الحين.
على مدى تلك السنوات التي امتدت من العام 1975 إلى العام 1990، اهتز الشرق الأوسط بأكمله، فيما أثارت حرب لبنان سسلسة متسعة من الصراعات الأخرى، الصغيرة والكبيرة، بما فيها الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، والذي تحول إلى شكله الاحتلالي والفوضوي الذي استمر 18 عاماً. وقد خبرت أنا نفسي خمس سنوات من حرب لبنان متعددة الأوجه تلك. وقضيت الكثير من الوقت في الأقبية التي اتخذت شكل الملاجئ المضادة للقصف، منتظراً قذائف المدفعية والمعارك المرعدة في الشوارع فوقنا أن تتوقف، ومتحاوراً مع اللبنانيين حول ما إذا كان بلدهم الصغير يمكن أن يتحمل وينجو من هذا السم الذي يستهلك طوائفه الثماني عشرة المعترف بها، من المسلمين، والمسيحيين، والدروز والطوائف الأخرى.
وضعت الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها في العام 1990. واستطاعت الدولة النجاة بالكاد من تلك الحرب. وبعد ما يقارب ربع قرن من ذلك، ما تزال آثار تلك الحرب ماثلة في شكل سياسي، حيث يناضل لبنان الآن من أجل العثور على رئيس له وسط الفوضى الطائفية. وقد أصبح حزب الله، الميليشيا الشيعية التي ولدت خلال الحرب وتم الاعتراف بها كحزب سياسي بعد ذلك أيضاً، قوياً بما يكفي ليقول نعم أو لا لرئيس. وما يزال لبنان يقدم الكثير من الدروس للمنطقة.
لسوء الطالع، يتسم نطاق الأحداث التي وقعت على مدى الأسابيع الثلاثة الأخيرة في العراق، والتي نجمت عن نفس نوع النزاعات على تقاسم السلطة التي سبق وأن قطعت أوصال لبنان، بأنه أكبر من النواحي المادية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والإقليمية. وعلى سبيل المثال فقط، يعادل حجم العراق حجم ولاية كاليفورنيا. وتعادل مساحة الأراضي التي احتلها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية "داعش" بسرعة مذهلة مساحة ولاية إنديانا.
بشكل عام، يشكل العراق مُلكية جيو-استراتيجية ذات قيمة أكبر من لبنان بما لا يقاس، ناهيك عن كونه ثاني أكبر منتج للبترول في منظمة أوبيك. والأسلحة المتوفرة لدى كافة الأطراف فيه هي أكبر وأسوأ كثيراً مما كانت عليه في لبنان. كما أن الكراهية الموجودة فيه ربما تكون أعمق في الحقيقة، وتأثيرها الأقليمي أوسع. ويحتمل كثيراً أن يكون لتداعيات أزمة العراق –المقصودة وغير المقصودة- نتائج عالمية أيضاً.
لا شك أن كلاً من البلدين يتميز بدينامياته ونقاط توهجه الخاصة. لكن العراق يظل أكثر شبهاً بلبنان من سورية حيث شرعت "داعش" في اندفاعتها لاحتلال المناطق، لأن كلاً من العراق ولبنان هو ديمقراطية ناشئة. ويبقى مبدأ تقاسم السلطة فيهما معتنقاً شعبياً ومصوناً سياسياً، حتى لو أنه لا يمارس بالشكل المناسب. وعلى النقيض من ذلك، أصبحت حرب سورية الممتدة منذ ثلاثة أعوام أكثر عناداً وشراسة باطراد لأن الرئيس الأسد يتشبث بالسلطة الاستبدادية.
كانت المجتمعات المتشظية في لبنان والعراق ترسم لنفسها مساراً، ولو بشكل متقطع ودموي، نحو مستقبل مختلف تماماً عن ماضي المنطقة. كانت في حالة نضال من أجل تجاوز الهويات البدائية للعشيرة، والقبيلة، والعرق والطائفة، ولصالح الخير الوطني الأعمّ. وذلك تحدٍ عادة ما تواجهه كل ديمقراطية، بما في ذلك الولايات المتحدة مع حربها الأهلية السابقة الخاصة، وتسييسها الداخلي الراهن. لكن من الصعب تجاوز الذات.
يشكل العثور على صيغة سياسية جديدة منصفة وعادلة التحدي الأساسي في منطقة الشرق الأوسط، بينما يطالب الناشطون والشريحة الهائلة من السكان الشباب بحصة أكبر وأكثر عدلاً من السلطة. وفي نهاية المطاف، تبقى هذه هي الكتلة الأخيرة من البلدان التي صمدت في وجه المد الديمقراطي الذي وضع نهاية للأيديولوجيات البغيضة، مثل الفصل العنصري والشيوعية، على مدى نصف القرن الماضي في الأماكن الأخرى. كانت المخاطر في الشرق الأوسط تاريخية.
سوف يقوم العراقيون من كافة الطوائف والأعراق بتدمير أنفسهم بحماقة إذا لم يتصالح واحدهم مع الآخر بسرعة. وما تزال لديهم الفرصة لعكس وجهة المسار، وإعادة تخصيص حصص السلطة وترميم الصدوع السياسية بطريقة لن تستطيعها سورية بشكل شبه مؤكد إذا بقي السيد الأسد في السلطة. كما أن لديهم مصلحة دولية في المساعدة على جعل ذلك يحدث، مهما كان أي شكل من المساعدة الخارجية والدبلوماسية أو العسكرية الخارجية إشكالياً ومثيراً للجدل.
أما البديل، فهو الوضع اللبناني، الذي اختطفت فيه السياسة على يد أمراء الحرب، وحيث قامت الميليشيات التي لا تحسب حساباً للقانون بتحييد القوى الأمنية، وحيث يعيش الاقتصاد على التهريب، وحيث الحياة اليومية داروينية. كان عليّ ذات مرة أن أنظف قطع جسد وأجزاء سيارة من شرفتي الصغيرة عندما قام مفجر انتحاري بنسف نفسه قبل الأوان –في واحدة من الذكريات الكثيرة الغرائبية للحياة في بيروت. لم يكن يمكن التنبؤ بمتى وكيف يندفع القتال مطلقاً. كانت لدي على جداري لوحة للميليشيات التي تنتشر وتتكاثر بلا توقف –كان عددها نحو أربعين ميليشيا بحلول الوقت الذي غادرت فيه لبنان في العام 1985- وكان على اللوحة وصف لتحالفاتها وأعدائها المتغيرين أيضاً بلا توقف. وفي ذلك الوقت، ربما يحاول حلفاء اليوم قتل بعضهم بعضاً في اليوم التالي، حتى في داخل الطوائف نفسها، وعلى مسائل خلافية تفترق كثيراً عن قضيتهم المشتركة. لم يكن من غير المعتاد أن ترى الشيعة يقاتلون الشيعة، والمسيحيين يقاتلون المسيحيين، والسنة يقاتلون السنة. والآن، يشهد العراق مسبقاً مصادماته المهلكة المتبادلة من هذا النوع.
تنطبق دروس لبنان على الولايات المتحدة أيضاً. فمن بين كل الحروب التي خاضتها في الأماكن الأخرى، كانت واحدة من أكبر الخسائر في أرواح العسكريين الأميركيين في حادثة واحدة منذ الحرب العالمية الثانية، هي خسارة 241 من جنود حفظ السلام الأميركيين في بيروت في العام 1983 –بعد أن أصبح يُنظر إلى واشنطن على أنها تنحاز إلى أطراف معينة في الحرب الأهلية اللبنانية.
كما أثبتت الخبرة اللبنانية، فإن الحل النهائي لا بد أن يكون سياسياً –والحلول عادة ما تكون بسيطة إلى حد التفاهة. وقد انتهت الحرب الأهلية اللبنانية أخيراً بتغييرات ثانوية فقط في التوازن الداخلي للقوى.  كانت الصيغة الأساسية عند الاستقلال عن فرنسا في العام 1943 –في اتفاق غير مكتوب، قائم على إجماع العام 1932 المشكوك فيه- قد خصصت ستة مقاعد في البرلمان للمسيحيين مقابل كل خمسة مقاعد تُمنح للمسلمين. ووفق اتفاقية السلام التي أنهت الحرب في العام 1990، أصبحت نسبة المقاعد متكافئة. وتم إضعاف الرئاسة المخصصة للمسيحيين، بينما تمت تقوية رئاسة الوزراء المخصصة للمسلمين. واحتفظ الشيعة بمنصب رئيس البرلمان. ولم يتم منح أي منصب لطائفة أخرى.
لكم ذلك قليل جداً في مقابل الكثير من الموتى. فاحذر يا عراق.


*زميل مشارك في المعهد الأميركي للسلام ومركز وودرو ويلسون الدولي، ومؤلف كتاب: "الغضب والثورة عبر العالم الإسلامي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 In the Shadow of Lebanon

التعليق