الهجوم على النساء في ليبيا: اغتيال سلوى بوقعيقيز

تم نشره في الأحد 6 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً
  • المحامية والناشطة الليبية سلوى بوقعيقيز التي اغتيلت الشهر الماضي - (أرشيفية)

فيجاي براشاد* (كاونتربنتش) 29/6/2014

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

صوتت كبيرة محامي بنغازي، سلوى قعيقيز، في الانتخابات العامة الليبية يوم 25 حزيران (يونيو). كان الاقتراع هزيلاً، وقد أبقت التهديدات بالعنف معظم الناس في منازلهم. كما لم يساعد اليأس المستشري بين الناس أيضاً. وعملت الحملة الجارية المسماة "عملية الكرامة" التي يقودها الجنرال خليفة حفتر ضد الميليشيات الإسلامية في بنغازي على تعميق الانقسامات في المدينة وفي البلد له. ثم عادت بوقعيقيز إلى منزلها، حيث قام "رجال مقنعون مجهولون يرتدون أزياء عسكرية" باقتحام منزلها وقتلوها بالرصاص، كما صرح مسؤول ليبي.
كانت بوقعيقيز، ذات الجذور العميقة في مجتمع مدينة بنغازي، كانت قد خلعت رداء المحامين من أجل لعب دور نشط في "ائتلاف ثورة 17 فبراير"، وهو واحدة من المجموعات التي تحدت حكم معمر القذافي في العام 2011. ومثل المحامين الآخرين من بنغازي الذين شكلوا جزءاً مركزياً من الائتلاف، شعرت بوقعيقيز بالإحباط بسبب انهيار المؤسسات في ليبيا القذافي. وكانت تحب أن تقول أن الحكومة تنظر إلى الناس ككتلة يحكم الزعيم باسمهم. بينما ليبيا التي تريدها تنظر إلى الناس كمواطنين أفراد لهم حقوق ومصالح. ومن أجل هذه الغاية، من أجل ليبيا ليبرالية، وظفت بوقعيقيز فكرها وذكاءها.
مثل الكثيرين من الليبراليين الليبيين في العام 2011، لم تكن بوقعيقيز تخرج إلى ميدان المعارك وتهاجم قوات القذافي بنفسها. كان لها القليل من القاعدة الجماهيرية. وكانت هذه نقطة ضعف تدركها بوقعيقيز. لم تتقاسم حماس الشباب مثل زميلها المحامي فتحي تربل، القائد الآخر في الائتلاف. وكانت أشكال من المستقبل غير السلام هي التي تلوح في أفق ليبيا بينما خرجت الميليشيات المنتسبة إلى المدن والميليشات الإسلامية لتكون القوى الرئيسية المقاتلة ضد القذافي. وكان من الواضح مسبقاً أن هذه الجهات ستطالب بمكاسب سياسية عندما ينتهي القتال. وقد عمل حلف الناتو كسلاح جو للميليشيات والإسلاميين، مانحاً إياهم طريقاً سالكة إلى طرابلس والسلطة السياسية. ولم تكن هناك أي حاجة بالميليشيات للخضوع إلى سلسلة قيادة مدنية واضحة، سواء خلال الحرب أو في أعقابها. وأياً يكن من يصبح رئيساً للوزراء، فسيكون عليه أن يخضع أمام قوة الميليشيات والإسلاميين.
انضمت بوقعيقيز إلى المجلس الوطني الانتقالي في آذار (مارس) 2011، لكنها انسحبت منه بعد أربعة أشهر من ذلك. أصيبت بالإحباط من القيادة، من أناس مثل محمود جبريل، المصرفي؛ وعبد الرحيم الكيب، الأكاديمي. ومثل بوقعيقيز، لم تكن لهؤلاء الرجال قاعدة جماهيرية كبيرة، وكانت لهم صلات قليلة بمفاصل السلطة الاجتماعية الليبية. لكنهم كانوا يعتمدون في نفوذهم على داعميهم في واشنطن وباريس والدوحة. ولم يكن لجبريل ولا الكيب التزام أصيل بحقوق المرأة. كان هؤلاء الرجال، مزاجياً وسياسياً، غير مستعدين للقتال من أجل هذا النوع من الأجندات التي أحست بوقعيقيز أن ليبيا تحتاجها –وهي بالتحديد تأسيس دستور ليبرالي يكون من شأنه أن يعطي للمرأة حقوقاً كاملة وفرصة للمشاركة في بنية الدولة. ولم يكن يبدو أن جبريل والكيب يشاركان روح ثورة 2011.
تجسدت خيبة أمل بوقعيقيز في كانون الثاني (يناير) من العام 2012 عندما قام البرلمان في وثيقة مسودته الثانية بإزالة مادة كانت تعطي كوتا بنسبة 10 % للنساء في الجمعية الوطنية الدستورية. لماذا الكوتا؟ إن النساء محترمات في المجتمع الليبي، كما كانت بوقعيقيز تقول دائماً، لكن هذا لا يُترجم –على الرغم من خطابة حقبة القذافي- إلى دعم للنساء حتى يدخلن معترك السياسة. وقالت بوقعيقيز: "أعرف أن المجتمع غير مستعد بسبب العقلية القبلية والصور النمطية للمرأة. علينا أن نعمل بجد لتغيير عقلية المجتمع". وكانت  مجدولين عبيدة من حركة "حقي" جزءاً من حملة وطنية للدفع من أجل هذه الكوتا. وقالت عبيدة في وصف واقعي: "في مجتمعنا، لن يصوت الناس للنساء". ثم قالت لي فيما بعد أنهن النساء مثلها –من كافة الأعمار، وكل الخلفيات- هن اللواتي ناضلن من أجل الكوتا. وفي الحقيقة، كانت بوقعيقيز قد قالت بأن أي نسبة تقل عن 30 % لن تنفع. وشعرت عبيدة وبوقعيقيز بالخذلان من البرلمان.
قالت بوقعيقيز في السنة التالية إن انتفاضة العام 2011 "صنعت زلزالاً في الوضع الثقافي للمرأة في ليبيا. إننا لا نريد أن نفقد ما كسبناه كنساء ليبيات." وكانت هي نفسها امرأة لا تخاف، وغير مستعدة للركوع أمام التزمت الاجتماعي الزاحف في مدينتها الأم بنغازي. لم تكن بوقعيقيز تضع غطاء رأس، وقد منحت جسارتها الشجاعة للأخريات -وإنما ليس لحلفائها السياسيين. كان جبريل والكيب، كما قالت بوقعيزيز، "يعرفان أن النساء كن فعالات وقويات جداً في الثورة. لكنهما يعتقدان أن الامتيازات الآن هي للرجال". ولم تكن وحيدة في هذا التقييم؛ فقد صمدت وزيرة الصحة فاطمة حمروش مدة سنة قبل أن تستقيل من مجلس الوزراء. حاولت كبح جماح الفساد المستشري في أوساط المحاربين القدامي الذين بدأ الكثيرون منهم تقديم مطالبات غريبة لخزينة الدولة. وعندما حاولت حمروش وضع إجراء لمعالجة هذا، لم تتلق الدعم من زملائها في مجلس الوزراء، ولا الحماية من أمن الدولة المصاب بفقر الدم. كانت تتحرك في أنحاء طرابلس صحبة ثمانية من الحرس الشخصي، غير قادرة على التجول بحرية في ليبيا الجديدة. وكان قادة القبائل العدائيين والميليشيات الإسلامية قد أرهبوا وخوفوا اثنتين من أعضاء المجالس البلدية -نجاة الكيخيا من بنغازي، وأمينة محمود تختخ من بلد الوليد- حتى إن إحداهما انسحبت والأخرى اختبأت. أما عبيدة، قائدة حركة "حقي" فقد هربت من البلاد خوفاً من تعرضها للقتل –على يد أي طرف. وكان لدى كل من هؤلاء النساء إيمان كبير بليبيا الجديدة في العام 2011، لكنهن رأين في غضون أشهر إيمانهن وهو يتحول إلى رماد.
ناضل المحامون من أمثال بوقعيقيز لمحاولة تأسيس حكم القانون في ليبيا، وإنما بلا طائل. وأصبح انعدام القانون يطارد ليبيا الجديدة. رفض حلف الناتوا تقييماً لسلوكه العسكري من الأمم المتحدة، ولم تكن الدولة الليبية الجديدة قادرة، أو أنها لم تكن راغبة في احترام مذكرات الاتهام والجلب التي أصدرتها محكمة الجرائم الدولية في حق سيف الإسلام القذافي، وقررت الولايات المتحدة شن غارات من نوع "التقط وسلم" من دون مذكرات جلب للقبض على أهدافها في ليبيا (أبو أنس الليبي في 2013، وأحمد أبو ختالة في 2014). واجتاحت موجة من الاغتيالات السياسية مدينة بنغازي، من مقتل المحامي والناشط عبد السلام المسماري في 26 تموز (يوليو)، إلى مقتل مفتاح أبو زيد، محرر صحيفة "برنيق" يوم 26 أيار (مايو) 2014. وكان معظم أولئك الذين قتلوا يحتلون مناصب في القوات الأمنية، لكنها كانت تتناثر بينهم أصوات هامة تدعو إلى الإصلاح السياسي والتغيير الاجتماعي. ولم تتسن لأصحابها الفرصة أبداً.
صرفت الحكومات الجديدة في طرابلس وقتها في إبرام صفقات النفط ومحاولة جلب الاستقرار للعملة. وكان لديها القليل من الوقت لخلق مؤسسة أمنية مركزية أو لوقف الحضور المتنامي للإسلاميين. وجاء هجوم أيلول (سبتمبر) 2012 على القنصلية الأميركية وسط مستنقع من الهجمات في بنغازي ضد الناس العاديين وضد مرافق النفط. ولم تكن هناك أي بادرة كبرى من الحكومة الجديدة ترقى إلى مستوى تحقيق وعود العام 2011. وظهر الليبيون المبهرجون القادمون من الشتات في شوارع طرابلس وبنغازي، وقد أتوا لاستعادة ميراثهم الذي خسروه في انقلاب العام 1969. وشرع أولئك الذين قاتلوا على الخطوط الأمامية ضد الجيش الليبي –ميليشات المدن والإسلاميون- في تأكيد حقوقهم في الدولة الجديدة، وقاموا بذلك باستخدام الوسيلة الوحيدة التي لديهم: العنف. وأبرم الليبراليون الذين كانوا يفهمون بنود عقود النفط أفضل من مجتمعهم صفقات متسرعة مع الطبقات الاجتماعية القديمة، ومع الميليشيات الحضرية والإسلاميين. وفي هذا المناخ، أمكنت التضحية بحقوق المرأة لصالح ضغوط العقائد المتزمتة. تم وضع أجندة سلوى بوقعيقيز جانباً. وسيطر الإخوان المسلمون والميليشيات الاسلامية على ليبيا الجديدة التي منحتها لهم حرب الناتو. كانت تلك القوى الاجتماعية هي التي قتلت بوقعيقيز يوم 25 حزيران (يونيو).

*فيجاي براشاد: مؤلف كتاب: "الأمم الفقيرة: تاريخ ممكن لجنوب العالم".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Libya and the Attack on Women: The Assassination of Salwa Bugaighis

ala.zeineh@alghad.jo

alaeddin1963@

التعليق