منار الرشواني

الديمقراطية ليست خيارا

تم نشره في الاثنين 7 تموز / يوليو 2014. 12:03 صباحاً

مع استسلام الدول النامية خصوصاً، وبينها كثير من الدول العربية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، للإجراءات المتضمنة في وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، قيل في الدفاع عن هذه الوصفات وترويجها، إن من نتائجها السريعة والمحققة هو الانفتاح السياسي، بل والديمقراطية بأغلب إن لم يكن جميع مؤشراتها.
فاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، على سبيل المثال، يتطلب قوانين عادلة شفافة، وقضاء كفؤاً نزيهاً يسهر على تطبيقها وإنفاذها. وأهم من ذلك أن "الصدمات" التي تنطوي عليها هذه الوصفات في مجتمعات اعتادت العيش على "دعم" الدولة للسلع والخدمات الأساسية، لا يمكن التخفيف من تداعياتها الاجتماعية والسياسية إلا بإشراك المواطنين في تبني الإجراءات التقشفية القاسية، من خلال مؤسسات تمثيلية، لاسيما برلمانات منتخبة؛ في عودة إلى القاعدة الذهبية "لا ضرائب من غير تمثيل". وهو ما يعني بدوره، كذلك، مراقبة ومحاسبة ومساءلة، تؤدي إلى محاربة الفساد؛ فيكون الناس جميعاً "شركاء في الغُرم"، إلى أن يصبحوا، بعد فترة إنجاز الإصلاحات الاقتصادية، "شركاء في الغُنم".
لكن من وجهة نظر مقابلة، لم تعزها الأدلة أبداً على امتداد عقود، فقد قيل إن الديمقراطية لم تكن أبداً خيار الأنظمة "النيوليبرالية" الجديدة. لقد كانت هذه الديمقراطية، الانتخابية فقط إلى حد بعيد، بمثابة احتيال على منح شرعية حقيقية لسياسات "اقتصاد السوق"، بحيث باتت المؤسسات التمثيلية المستحدثة على أي مستوى، بمثابة الغطاء فقط لحقيقة أن "لا خبز ولا حرية". وهي السياسة التي تجلت نتيجتها الصارخة في "الربيع العربي" انطلاقاً؛ ثم دماراً فقط بسبب إصرار أنظمة عربية على عدم التزحزح عن هذه السياسة.
لكن مع كل الأثمان الباهظة التي دُفعت عربياً، على كل مستوى، طوال العقود الماضية؛ بل وأضيف إلى عقود التنمية الضائعة أجيال مضيعة بين التطرف وصدمات الحروب الأهلية؛ ورغم كل ما قيل ويقال في هجاء "الربيع العربي"، إلا أنه يبدو صحيحاً تماماً الآن، مرة أخرى، إنما بالمفهوم المناقض لكل ما عرفته التجربة العربية سابقا، أن "الديمقراطية ليست خياراً"، بل هي الخيار الوحيد الذي لا بديل له، بالنسبة للأنظمة الحاكمة قبل الشعوب المحكومة المقهورة.
خير من يجسد هذه الحقيقة اليوم مصر، التي تدفقت عليها مساعدات بمئات ملايين الدولارات منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، لكنها كانت كافية فقط، باعترافات مسؤولين مصريين، لمنع تخفيض الدعم عن سلع وخدمات، وبالتالي رفع أسعارها، خلال الفترة الانتقالية. وعشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بلغ حجم الاحتياطي الأجنبي من العملة الصعبة بين 16-17 مليار دولار (ليس كلها سيولة)، فيما تحتاج مصر 15 مليار دولار لتوفير الاحتياجات الأساسية من الوقود والغذاء (إذ هي أكبر مستورد للقمح في العالم) لمدة ثلاثة أشهر فقط. وها هي تضطر فعلاً اليوم إلى رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب ضخمة، وكخطوة أولى فقط على طريق طويلة من الإجراءات القاسية لم يعد من مجال للتهرب منها، أو الالتفاف عليها، أو حتى تأجيلها.
وإذ لم يعد من مفر من الإصلاح الاقتصادي، فلا بد أن المواطن المصري، وككل مواطن عربي في وضع مماثل، سيعود إلى طرح أسئلة ما قبل "الربيع العربي": لأي غاية يقبل هذه الإجراءات؟ ولأجل من؟ ووفق أي ضمانات؟

التعليق