حكمة لورنس العرب

تم نشره في الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً

بيل مويرز ومايكل وينشِب* - (ميدل إيست أونلاين)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قبل قرن من الآن، خلال الحرب العالمية الأولى، كان ضابط بريطاني يعرف باسم "لورنس العرب" قد فهم الشرق الأوسط بعمق، ورأى أن الأمل يمكن كله في انتهاج سياسات عقلانية. لكن الطموحات الإمبريالية تدخلت لضمان  عدم الاستقرار الإقليمي في هذه المنطقة.
*   *   *
بينما تتصاعد المخاوف من نشوب حرب متوسعة النطاق عبر كامل منطقة الشرق الأوسط، والتي تغذيها التقارير عن رؤى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام "داعش" لتأسيس ثيوقراطية دينية تمتد على كامل المنطقة وتتمتع بمطلق السيطرة، أصبحنا نجد أنفسنا ونحن نتحدث عن احتمال نشوب حرب كبيرة أخرى.
كانت الحرب العظمى -أو الحرب العالمية الأولى، كما ستسمى فيما بعد- قد اندلعت قبل نحو 100 عام تقريباً، عندما قام أحد القتلة بإطلاق النار على أرشيدوق النمسا، فيرديناند، في سراييفو وقتله. ومن خلال سلسلة من التحالفات المتشابكة وسلسلة متراكبة من حالات سوء الفهم المتبادل والأخطاء الفادحة، جلب عمل واحد من أعمال العنف كارثة دموية عالمية. قتل أو جرح 37 مليون إنسان في تلك الحرب.
في أميركا، إذا حدث وأن تأملنا في الحرب العالمية الأولى من الأساس، فإننا نفكر أغلب الأحيان في ميادين المعارك والخنادق في أوروبا، ونميل إلى نسيان جبهة أخرى من جبهات تلك الحرب -ضد إمبراطورية الأتراك العثمانية التي كانت تهيمن على الشرق الأوسط. وكان ضابط بريطاني يدعى تي. إي. لورنس قد أصبح بطلاً في العالم العربي عندما قاد القبائل البدوية المترحلة في معركة ضد الحكم التركي. وقد خلده بيتر أو-تول في الفيلم الملحمي "لورنس العرب".
ربما تذكرون ذلك المشهد، عندما سأل صحفي لورنس بعد تفجير خط الحديد الحجازي بالديناميت ونهب قطار إمدادات تركي: "ماذا، في رأيك، هو الذي يأمل هؤلاء الناس كسبه من هذه الحرب؟"، وأجاب لورنس: "إنهم يأملون في كسب حريتهم". وعندما سخر الصحفي من ذلك، أصر لورنس: "سوف يحصلون عليها... سوف أعطيها لهم".
في نهاية الحرب، ذهبت رؤية لورنس للاستقلال العربي أدراج الرياح عندما أكد مؤتمر سلام فرساي على تقسيم العراق وسورية ولبنان وفلسطين إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية؛ وتم رسم حدود عشوائية على الرمل من أجل إرضاء شهية الإمبراطورية -بل إن وزارة الخارجية الفرنسية أطلقت على الأراضي العثمانية السابقة وصف "النهب العظيم".
كان لورنس الآمل قد رسم "خريطة السلام" الخاصة به للمنطقة، وهي خريطة أولت اهتماماً أكثر قرباً للتحالفات والعداوات القبلية. وكان يمكن لتلك الخريطة أن توفر على العالم الكثير من الوقت، والمتاعب والأموال، كما قال أحد المؤرخين، وأن تزود المنطقة بـ"نقطة بداية أفضل بكثير من التقسيم الإمبريالي الخام". وكتب لورنس لضابط إنجليزي في القاهرة: "أخشى أن يتم تأخيركم لوقت طويل جداً، حتى تنظفوا الفوضى والنهايات الناقصة التي تركناها خلفنا".
منذ العام 2003، عندما تكشف الغزو المتهور للعراق، تزايد حجم الطلب على كتاب لورنس "أعمدة الحكمة السبعة" ثمانية أضعاف. ويتم تدريس الكتاب في وزارة الدفاع الأميركية وكلية ساندهيرست، وكلية وست بوينت البريطانية- بسبب استبصاراته في خوض الحرب في الشرق الأوسط.
في العام 2010، صرح الميجور نيل سميث، الذي كان قد خدم كضابط عمليات في الجيش الأميركي وقوات البحرية في مركز مكافحة الإرهاب، لمجلة كرستيان سينس مونيتور: "لقد أصبح تي. إي. لورنس ببعض الطرق بمثابة القديس الراعي لجهد الاستشارات الخاص بالجيش الأميركي في أفغانستان والعراق".
لكنه تم بشكل عام، في ذلك الوقت كما هو الحال الآن، تجاهل فهم لورنس لمكامن الغيرة والتنافس القديمة القوية بين الناس الذين عاش معهم وقاتل ضدهم بشكل عام. وفي العام 1920، كتب لصحيفة "تايمز أوف لندن" مادة محركة ونبوئية حول العراق -الذي كان يخضع حينذاك لسيطرة البريطانيين.
في تلك المقالة، أعرب لورنس عن أسفه على النقود التي أنفقت، وعدد الجنود والخسران في الأرواح، وحذر من أنها جرت قيادة مواطنيه "إلى فخ سيكون من الصعب الإفلات منه بكرامة وشرف. وقد تم خداعهم للوقوع فيه بالحجب المستمر للمعلومات... كانت الأمور أسوأ بكثير مما قيل لنا، وكانت إدارتنا أكثر دموية وأقل كفاءة بكثير مما يعرفه الجمهور. وقد يصبح الوضع قريباً ملتهباً بحيث لا ينفعه أي علاج عادي. إننا نقف اليوم غير بعيد عن الكارثة".
ليست هذه هي المرة الأخيرة التي يمكن أن تأتي فيها الكارثة إلى الشرق الأوسط بسبب الجهل المتخبط والغطرسة التي تعشي بصر المتطفلين والغزاة الأجانب المقتنعين بالفكرة الخيالية السحرية عن قدرتهم المطلقة وامتلاكهم منتهى الحق. لكم نحن ننسى بسرعة. لكم نكرر الأخطاء.

*بيل مويرز: مدير تحرير، ومايكل وينشِب زميل كتابة رفيع في مجموعة السياسات والدفاع "ديموس"، وكاتب في برنامج الشؤون الخارجية الأسبوعي "مويرز وشركاه" الذي يبث على التلفاز العام.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The Wisdom of Lawrence of Arabia

‏ala.zeineh@alghad.jo

التعليق