مبادرة السلام العربية أقوى مما كانت دائما

تم نشره في الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً

تركي الفيصل -هارتس

أحيانا، في أكثر اللحظات ظلاما لا يكون المهم إيمان وتمسك الناس الشجعان واسعي الآفاق بفكرة السلام فقط، بل محاولتهم أيضا أن يتخيلوا كيف سيبدو هذا السلام.
إن هذا الأمر صحيح ولا سيما في الشرق الاوسط. فهنا يريد شعبان – الفلسطينيون والإسرائيليون – تحقيق حلمهما بانشاء دولتين للشعبين. ويستطيع حل الدولتين فقط أن يحقق هذا الحلم وأن يلبي مطامحهما القومية. وقد كان هذا الحل جوهر الرؤيا التي عرضتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة بخطة التقسيم في 1947، التي فشل المجتمع الدولي في تحقيقها آنذاك، ولم تنجح مسيرات سلمية كثيرة في تحقيقها منذ ذلك الحين.
والنتيجة هي مأساة إنسانية على الفلسطينيين الذين يعيشون تحت عبء الاحتلال الإسرائيلي المضطهد وعلى الإسرائيليين المسجونين في وضع تزداد فيه عزلتهم الدولية حدة على مر الوقت. إن المهلة في جهود وزير الخارجية الأميركي كيري، وخيبة الأمل الكبيرة بسبب الفشل الاخير للدبلوماسية الأميركية هما فرصة أنسب من ذي قبل لتخيل السلام الذي يطمح اليه كل الناس الذين يرجون الخير.
إن مبادرة السلام العربية التي اقترحها أول مرة عبد الله ملك السعودية، خادم الحرمين، وتبنتها الجامعة العربية في 2002، ما زالت اطارا للسلام – فهي صيغة لحل عادل شامل للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين ومع العالم العربي صدورا عن اقتناع عميق بأنه لا يوجد أي حل عسكري قادر على أن يمنح دول المنطقة السلام والأمن اللذين تطمح اليهما.
تقول مبادرة السلام العربية إن كل الدول العربية ستنشئ علاقات طبيعية بإسرائيل منذ أن تنسحب من المناطق التي احتلت في حزيران 1967 وتوافق على انشاء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها شرقي القدس. ويُحتاج إلى الاتفاق بالتفاوض وبحسب المبادئ الدولية على الحدود الدقيقة وعلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
وفي لبنان يمكن أن تُنقل المناطق التي احتلتها إسرائيل إلى الامم المتحدة إلى أن تنشأ حكومة لبنانية قابلة للبقاء تحصل عليها؛ وكذلك الامر في سورية أيضا، فان هضبة الجولان المحتلة يمكن أن تُسلم إلى الامم المتحدة لتديرها إلى أن تحصل عليها حكومة جديدة. ولا يوجد أي شيء مستحيل مع وجود قدر من الارادة الخيرة وبدعم من الولايات المتحدة والجامعة العربية. وأنا آمل حقا أن يكون الإسرائيليون انتبهوا للنهج الذي تبناه وفد الجامعة العربية إلى واشنطن في نيسان من السنة الماضية وبين أن مبادرة السلام العربية ليست ساكنة وليست إملاءً تبسيطيا بل يمكن أن تتم ملاءمتها بحيث تشمل كل موافقة طوعية تُحرز باتصالات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويؤسفني مثل آخرين في المنطقة حقيقة أنه لم ترد أية حكومة إسرائيلية إلى الآن على مبادرة السلام العربية برغم أن العالم العربي جدد دعمه لها في كل مؤتمر قمة للجامعة العربية في الـ 12 سنة الأخيرة وفي كل لقاء قمة لمنظمة التعاون الاسلامي ومجلس تعاون دول الخليج. بل زار وفد عربي إسرائيل ليسلمها إلى الشعب في إسرائيل مباشرة. ووجدت في عدة فرص في العالم العربي اصوات زعمت أن المبادرة لم تنجح ولهذا ينبغي ابطالها واهمالها لكننا متمسكون بها ومصرون على التمسك بها وهي ما زالت على الطاولة أقوى مما كانت دائما.
تعالوا نحلم لحظة كيف سيبدو هذا البلد الذي جرب الحروب بعد اتفاق بين الشعبين. واسمحوا لي أن أحلم أيضا..
تخيلوا أن استطيع أن أركب طائرة في الرياض وأطير مباشرة إلى القدس، وأركب حافلة أو سيارة أجرة وأسافر إلى قبة الصخرة أو إلى المسجد الأقصى لأصلي صلاة الجمعة ولأزور بعد ذلك حائط البراق وكنيسة القيامة. ثم استطيع في الغد أن أزور قبر ابراهيم في مغارة الماكفيلا في الخليل ألا وهي حبرون، وقبور الأنبياء الآخرين عليهم السلام، وأستطيع أن أسافر من هناك وأزور كنيسة المهد في بيت لحم ثم أتابع فأزور أيضا متحف "يد واسم" كما زرت متحف الكارثة في واشنطن حينما كنت سفيرا هناك.
ويا لها من لذة ألا أدعو الفلسطينيين فقط بل الإسرائيليين الذين سألقاهم أيضا ليأتوا لزيارتي في الرياض حيث يستطيعون التجول في بيت آبائي في الدرعية، التي تشبه معاناتها التي نالتها من قهر ابراهيم باشا معاناة القدس على يد نبوخذ نصر والرومان.
حاولوا فقط أن تتخيلوا التطورات في مجالات التجارة والطب والعلم والثقافة بين الشعبين.
أخشى أن يكون البديل استمرار الصراع في حين يدفعنا الواقع على الارض – ولا سيما مشروع الاستيطان المستمر للأراضي الفلسطينية المحتلة – أكثر فأكثر إلى يوم لا يكون فيه السؤال كيف نتوصل إلى حل الدولتين بل هل يبقى الصراع وسفك الدماء هما المعيار، فهل هذا ما تريده إسرائيل حقا؟ إن سيطرة مستوطنين على اراض بالقوة وإن الشوارع المخصصة "للإسرائيليين فقط" في مناطق الضفة الفلسطينية تمنع امكانية نشوء دولة فلسطينية متصلة الأجزاء قابلة للبقاء. وتستعمل حكومة إسرائيل في واقع الامر بموازاة دفع ضريبة كلامية لحل الدولتين، تستعمل في واقع الامر سياسة تنشئ واقع دولة واحدة لا "حل" دولة واحدة، ومع عدم وجود مساواة في الحقوق السياسية والاقتصادية والانسانية في تلك الدولة يصعب ألا نرى ذلك سوى داعية إلى كارثة.
آمل أن يسهم مؤتمر إسرائيل للسلام في جهد تخيل رؤيا السلام التي ستصبح ممكنة منذ أن تصبح مبادرة السلام العربية حجر زاويتها. وأتمنى اليوم الذي يمكنني فيه أن أشارك في مؤتمر كهذا وأن يمكن اولئك الإسرائيليين الذين يشاركون فيه أن يطيروا إلى الرياض ويشاركوا في مؤتمرات تنحصر عنايتها في مسألة كيف نستطيع جميعا أن نعمل معا لحل المشكلات الملحة الكثيرة الأخرى التي تتحدى منطقتنا.
*خاص لصحيفة "هآرتس"- "مؤتمر السلام"

التعليق