جميل النمري

عقوبة التعزير

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2014. 11:09 مـساءً

ظاهرة التحرش الجماعي التي هزت الرأي العام في مصر، تنتقل إلينا. وقد وقف الرأي العام الأردني مذهولا، عن حق، أمام حادثة إربد قرب جامعة اليرموك؛ حيث لاحق تجمع كبير من الشبان فتاتين، عقب انتهاء مباراة كأس العالم. فمثل هذا السلوك غريب فعلا على مجتمعنا، لكن يبدو أن المياه تجري وتتوسع كل يوم من تحتنا.
هناك مطالبات محقة بتشديد العقوبات. والعدوان الجسدي المباشر تترتب عليه عقوبات مشددة فعلا؛ فهتك العرض جريمة خطيرة تذهب بصاحبها إلى محكمة الجنايات الكبرى. لكن التحرش اللفظي ما يزال محميا، ويدخل بالحد الأقصى ضمن تهمة خدش الحياء العام، وهو في العادة صعب الإثبات، كما يندر لجوء الفتيات إلى تقديم شكوى.
لذلك، فإن عدوانا يوميا صامتا يجري في كل شارع وزاوية؛ حيث لا تكاد فتاة تنجو من تحرش لفظي، قد يكون خفيفا وقد يكون ثقيلا ووقحا ومهينا، يُلحق أذى نفسيا شديدا بالمرأة. ومع الأسف، فإن النساء يتحملن هذه المعاناة بصمت، ولا يملكن إخبار الزوج أو الأب أو الأخ؛ ولا يملكن الذهاب إلى الأمن لتقديم شكوى. وغالبا يتجنبن الردّ على المسيء في نفس اللحظة، لأن السترة أوجب، فيتمادى المتحرشون بلا رادع، إلا في حالات نادرة تتجرأ فيها الفتاة على صدمهم بردّة فعل غير متوقعة تؤدب المتحرش وتردعه عن هذا السلوك لبعض الوقت.
وما يجب أن نفكر فيه هو أن التحرش اللفظي المهين للمرأة؛ الشائع والرائج كممارسة يومية، هو المقدمة الأكيدة التي تنبئ باحتمال وقوع التحرش الجماعي الجسدي، إذا ما توفرت الظروف المناسبة له. وهو ما حدث تلك الليلة في إربد، بوجود مئات الشباب معا بعد نهاية مباراة كأس العالم. فهؤلاء، في أغلبهم، متحرشون فرديون بنمط التفكير والقيم والنظرة إلى المرأة، أتيحت لهم فرصة الحماية والذوبان في المجموع للتجرؤ بخطوات إضافية. وليس بعيدا أن الفتاتين كانتا ستتعرضان لاعتداء جسدي لولا تمكنهما من الهرب لمسافة، والاحتماء بأحد المحال بمساعدة شباب يملكون الأخلاق والوعي والشهامة، وفق الروايات اللاحقة عن تفاصيل الواقعة.
العام الماضي، حدثت مبادرة بمشاركة فتيات في الجامعة الأردنية ضد التحرش اللفظي، تمت فيها الإشارة بشكل ساخر إلى أنواع التعليقات التي تتلقاها الفتيات، ويرين أنها مهينة ومسيئة؛ لكن ثارت على أولاء الطالبات حملة مضادة شرسة لتجرؤهن على بسط الحقيقة والإعلان الصريح عما يتعرضن له من سلوكيات وأقوال. وهذا قمع إضافي يشجع التطاول على المرأة؛ إذ يُغمض المجتمع عينه عن الأمر ما دام لا يصل إلى الاعتداء الجسدي. والحقيقة أن الاعتداء الجسدي هو المحذور اللاحق إذا ما توافرت الظروف المناسبة التي تحمي المتحرشين.
إذن، لا بد من تغليظ العقوبات. وأفكر أحيانا في عقوبة "التعزير" التي وُجدت في تاريخنا، وهي عقوبة أخلاقية مجتمعية صادمة، أقوى من كل عقوبة أخرى. وقبل العقوبات، يجب الحديث علانية، وشنّ الحملات بوضوح، ضد التحرش؛ بوصفه سلوكا مخزيا جدا لصاحبه. ويجب التثقيف في كل مكان ومناسبة بنظرة المساواة والاحترام للمرأة، ويجب تشجيع النساء على عدم السلبية والخنوع، وأنهن لا يؤاخَذن بل يقدَّرن أكثر، إذا قمن بالرد على المتحرش؛ بفضحه فورا أمام الناس.

التعليق