محمد برهومة

تغيّر المزاج المصري حيال "حماس"

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2014. 11:05 مـساءً

النخب المصرية الأكثر تشدداً مع "حماس"، وفي ردها على المواقع الإعلامية القريبة من "الإخوان" والتي تزعم بأن ثمة تفاهماً مصريا-إسرائيليا بشأن تنفيذ العدوان على قطاع غزة، تكاد تقول إنه ينبغي دحض مقولة "غزة ليست حماس"، لأنها المدخل الذي تلج الحركة عبره لتحقيق مكاسب سياسية "إجبارية"، تحت وطأة "قضية العرب المركزية"، ولافتات الاحتلال والقصف الإسرائيلي وسقوط الضحايا والمدنيين والأبرياء من النساء والأطفال. وتذكّر هذه النخب بأن موقف محمد مرسي من عدوان إسرائيل على غزة العام 2012، حينما كان رئيسا لمصر، لم يختلف كثيرا عن موقف عبدالفتاح السيسي اليوم من عدوان إسرائيل الجاري على القطاع.
ربما يصعب غض الطرف عن أن مصر بشكل خاص، والدول العربية عموما، استقبلت العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة بشكل مختلف. وربما كان الصوت الأعلى في مصر، كما ظهر في الإعلام، وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت "باروميتير المجتمعات العربية"، أنه "ليس من المنطقي أن تهبّ مصر لنجدة غزة في ظل سيطرة حركة حماس على القطاع". لم تتجاوز الاحتجاجات المصرية على ما يجري في غزة، وقفة احتجاجية متواضعة ضمت عددا من النشطاء قرب نقابة الصحفيين المصريين. هذا يحدث، ربما، لأول مرة، وهو يكشف عن التغيير في المزاج المصري تحت وطأة ما قيل عن موقف "حماس" من ثورة 25 يناير وما أعقبها من أحداث، مرورا بعزل محمد مرسي ووصولاً إلى اختيار عبدالفتاح السيسي رئيسا لمصر. هنا يجرى الحديث عن دعم "حماس" لـ"الإخوان المسلمين"، واتهامها بفتح السجون المصرية إبان ثورة 25 يناير، ومدى دعمها للنشاط الجهادي المسلح في سيناء في أعقاب عزل مرسي وإغلاق الأنفاق الواصلة بين سيناء والقطاع، وما نجم عن ذلك كله من مقتل جنود مصريين على الحدود، ما أدى، في المحصلة، إلى اعتبار السلطات المصرية "حماس" خطراً على الأمن القومي المصري، ورديفا لجماعة "الإخوان" التي جرى تصنيفها كحركة إرهابية.
بحسابات سياسية مجردة، أظهر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ازديادا في قوائم من يخاصمون حركة "حماس" ويعادونها ويسعون إلى إفشالها ومواجهتها. يقول هؤلاء الخصوم المتكاثرون إنّ "حماس" لم يتبقَ لها حلفاء في المنطقة اليوم سوى تركيا وقطر. إيران لم تشأ أن "تخرّب" أي مواقف شديدة لها عن غزة، مفاوضاتها النووية الجارية مع الغرب. وإذا شئنا أنْ نرصد حجم التغيّر الذي أصاب الشعب المصري على وجه الخصوص، والشعوب العربية والإسلامية بعامة، إزاء الهمجية الإسرائيلية في قصفها غزة منذ أيام، فسنلحظ تضاؤلاً بيّناً في الاحتجاج والمظاهرات، يعبّر، جزئياً، عن مرحلة عربية جديدة، يجرى فيها، في اللاوعي الشعبي، إجراء مقارنة بين الدم المسفوك في غزة على يد الغطرسة الإسرائيلية المحتلة والدم المسفوك في سورية والعراق وليبيا واليمن على يد أنظمة دكتاتورية دموية غاشمة أو فصائل وميليشيات مسلحة أو تنظيمات جهادية سلفية لا تعرف لغة سوى العنف الدموي. ومع إقرار هذا العقل الباطن بالإجرام الذي تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الواقع تحت احتلالها، فإنه لا يغيب في الظلال أنّ مشهد الدماء والقتلى والضحايا والاعتداءات صار حاضرا ومنتشراً بشكل يومي في المنطقة العربية، وبشكل قاسٍ وهمجيّ، يدفع من يماهون بين "حماس" وغزة إلى إجراء مقارنة بشأن دماء العرب ودماء الفلسطينيين تكاد تماثل بينها، حتى لو لم تنطق صراحة بذلك. ولعل هذا ما دفع البعض إلى تطرف سياسي، منبوذ بكل تأكيد، تم التعبير عنه بالقول إن "الشعب المصري أحق بالمساعدات وأحوج إليها من أهل غزة"!

التعليق