قوافل الأجر والثواب

رمضان يربي الصائمين على الصبر

تم نشره في السبت 19 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً
  • الصبر من أفضل الدروس في تقوية النفس على الشدائد والمصائب - (أرشيفية)

يعد شهر الصيام تدريبا على الصبر، فالصوم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم شطر الصبر، والصبر شطر الإيمان، والصبر في جوهره الرضى بقضاء الله وقدره، فعندما يصبر الإنسان على الصوم فإنه يصوم وهو راضٍ بهذا الصوم، غير متذمّر منه ولا حتى في سرّه، فهو يمتنع عن الطعام والشراب وغيرهما من المفطرات من تلقاء نفسه، يلتزم بذلك من الفجر وحتى الغروب، ولا يحتاج إلى رقيب عليه، وهذا الالتزام بالامتناع عن الطعام والشراب دون مقابل إلا ابتغاء رضوان الله يجعل البقاء دون طعام وشراب هذه الساعات الطويلة أهون بكثير مما لو كان البقاء دون أكل وشرب ناتجا عن مانع من خارج النفس.
وفرض الله الصيام علينا في رمضان ليقربنا إلى التقوى وليدخلنا فيها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وكظم الغيظ والعفو عن الناس من أساسيات التقوى التي يهدف إليها الصيام. قال تعالى معددًا بعض صفات المتقين: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول إن تعرضنا لجهل جاهل علينا، أو سابنا أو شادنا أحد: "إني صائم، إني صائم"؛ وذلك كي نصبر ونملك أنفسنا، فلا نردّ على السيئة بمثلها، ولا ندخل في شجار أو مشادة، فالصائم في عبادة، والعابد وقت العبادة يترفع عن أن يردّ على من يشتمه أو يشاده. والصبر من أفضل الدروس في تقوية النفس على الشدائد والمصائب، فيحد من شهواتها ويقضي على رعونتها.
وما من عمل إلا وأجره بتقدير وحساب إلا الصوم، ولكون الصوم من الصبر قال تعالى في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، وقد وعد الله الصابرين بأنه معهم، وجمع للصابرين أمورًا لم يجمعها لغيرهم فقال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
ورمضان شهر الصّبر، والصّبر يوفّى صاحبه أجره في الآخرة بغير حساب، والصّيام يتضمّن أنواع الصّبر كلّها من الصّبر على طاعة الله والصّبر عن معصيته، والصّبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش، وضعف البدن، لذلك فإنّ من أهم حِكَم الصيام تربية ملكة الصبر على المكاره والمشاق، إذ إن من صبر طوال أيام شهر رمضان كاملا على احتمال مشقة الجوع والعطش، لا سيما في الأيام الطوال الحارة، فإنه يرجى أن تتربى عنده ملكة الصبر في المواطن التي تحتاج إلى ذلك، وما أحوج الإنسان إلى الصبر في هذه الحياة، مِن صبرٍ على تأمين الرزق، وصبر على تحمّل الأذى، واحتمال الصدمات الحياتية ومصائبها، من دون أن تخور الهمة أو تنثني العزيمة.
وفي رمضان يصوم المؤمن، ويمضي الساعات الطويلة بلا طعام ولا شراب، فيشعر بشيء من الضعف في قوته، ويشعر بالحاجة إلى الطعام والشراب، ويسره أن تغيب الشمس حتى يتمكن من أن يأكل ويشرب من جديد، إن الصائم يستشعر بهذا ضعفه البشري، فيقل اغتراره بقوته، وتتطهر نفسه من نزعة التجبر والعلو في الأرض.
وممّا ورد في فضل الصبر قول الله سبحانه وتعالى:"وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"، وقوله تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ". ومن حسن الصبر ألا يظهر تأثير المصيبة على المصاب قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله عز وجل بها عنه، حتى الشوكة يشاكها"، وفي حديث آخر: "ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر بها من خطاياه". وفي حديث آخر: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة، في جسده، وفي ماله، وفي ولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة".
والصبر ثلاثة أقسام:
1 - الصبر على الطاعات: فالعبد محتاج إلى الصبر على الطاعات، لأن النفس بطبعها تنفر من التكليف. والطاعة من طبيعتها تحتاج -للثبات عليها- إلى صبر، قال تعالى:{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها }.
2 - الصبر عن المعاصي: وما أحوج العبد إلى ذلك؛ إذ النفس أمارة بالسوء؛ فالمعصية تعرض في أثواب مغرية براقة، والإعراض عنها يحتاج إلى صبر.
3 - الصبر على المصائب، وهي كثيرة مثل موت الأحبة، وهلاك الأموال، وزوال الصحة وغيرها، ومن أعلى مراتب هذا الباب الصبر على أذى الناس، ولذلك فالمسلم محتاج إلى زاد وفير من الصبر والاحتساب لكل هذه الأمور التي يكابدها في حياته.

التعليق