جميل النمري

أي عيد وأي حال؟!

تم نشره في الأحد 27 تموز / يوليو 2014. 11:08 مـساءً

منذ وقت لم أعد أتذكره، ما عاد عيد علينا إلا وعاد معه إلى البال قول المتنبي في مطلع قصيدته التي تقطر أسى وخذلانا "عيد بأي حال عدت يا عيد". وها قد تعبنا وسئمنا من جلد الذات، ولم يتعب الخذلان منا؛ فقد دوهمنا منذ تفتح جيلنا على الحياة بهزيمة 1967، ومعها أذكر قصيدة نزار قباني المغرقة في جلد الذات ورثاء حال الأمة.
في نصف قرن، انتشينا بضعة أيام فقط بالنصر المدوي وردّ الاعتبار في أكتوبر 1973، قبل أن تظهر الاستدارة الرهيبة للحرب باختراق "الدفرسوار" واحتلال إسرائيل من غرب القناة بأكثر مما حررت مصر شرقها، واندحار القوات السورية إلى ما وراء خطوط 67، ثم وقف النار وفك الاشتباك، والعودة إلى المربع الأول، حتى قنص مصر في كامب ديفيد وانقسام العرب، وانهيار كل أمل بالثأر والتحرير.
كانت هناك بطولات وتضحيات في غير محطة؛ في اجتياح بيروت، وفي الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي حروب غزة. لكنها بطولات وتضحيات فحسب؛ أما النتيجة، فتكاد تكون دائما محسومة لموازين قوى لا تترك لك سوى أن تكون البطل المخذول والضحية.
وبعد الحمل الكاذب والساذج للعزة القومية والتحدي في حربي الخليج، لم يعد هناك أي مكان للأحلام القومية، فأصبحت الحقيقة الوحيدة التي تستحق السعي هي إصلاح المجتمعات بالتخلص من الطغيان، وتحقيق الديمقراطية والكرامة والعدالة. وهو ما بدا أن الجماهير قررته على حين غرة بانتفاضات "الربيع العربي" الشاملة. كانت واحدة من أعظم لحظات العرب.. لكن، ويا لخسارة العرب وربيعهم، فقد غرق المشروع بالدم والدمار والتشظي، حتى إن أكبر الخاسرين من تحرك الشعوب السلمي، وهو العنف والتطرف والإرهاب السلفي، عاد بأقوى مما كان. ثم، يا لهول ما حدث! فالقاعدة نفسها ظهرت حملا وديعا أمام ظاهرة مثل "داعش"؛ فقد ولد الغول مسخا لا سابق ولا لاحق لعنفه وقسوته، فكأنه عزرائيل يتجول في ديارنا.
مع هذا المآل، تراجعت القضية الفلسطينية إلى الوراء، وتسيد اليمين الأكثر تطرفا في إسرائيل؛ يقضم الأرض ويضيق على السكان ويحاصر غزة، وليس للفلسطينيين إلا الشكوى والقبول بكل سانحة لمفاوضات يعرفون سلفا أنها "عبثية". أمّا أي بادرة مقاومة، فتُضرب بيد من حديد. ومن جديد، قدر الفلسطينيين أن يكونوا أبطالا وضحايا، بل إن هذا الاعتراف بات عزيزا، ويريد العالم الآن أن يجعل حرب غزّة اقتتالا وقصفا متعادلا بين طرفين.
أول من أمس، تخطى عدد ضحايا القصف الإجرامي على غزة حاجز الألف، والجرحى خمسة آلاف. والعالم يصر على اعتبار الأمر اقتتالا بين طرفين، وليس جريمة حرب من الطراز النازي! وقبل أيام، رأيت على موقع إسرائيلي كاريكاتيرا يصور جنديا إسرائيليا يصوب سلاحه وهو "يحمي" خلفه امرأة تحمل طفلها، ومقاتل فلسطيني يصوب سلاحه وهو "يحتمي" بامرأة فلسطينية تحمل طفلها!
هكذا تجاهد إسرائيل لإخفاء الجريمة وقلب المشهد بين الفروسية والنذالة رأسا على عقب. مع أنه ليس هنالك عمل حربي أكثر إجراما ونذالة من القصف البري والبحري والجوي لقطاع غزّة، حيث الشريط الضيق الأكثر فقرا وكثافة سكانية في العالم، يصبح حقل رماية حرّة لآلة الحرب الأكثر تدميرا. وفي الحقيقة، وبالتناسب، ليس هناك أكثر نذالة من تمثيل العالم دور الوسيط المحايد بين طرفين متقاتلين.

التعليق