وهم صنعاء: لماذا لا يشكل اليمن نموذجاً للعراق

تم نشره في الاثنين 4 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فارع المسلمي * – (فورين أفيرز) 30/7/2014


في شهر حزيران (يونيو) الماضي، أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أن اليمن يمكون أن يكون نموذجاً للكيفية التي يمكن أن يتم بها جلب الاستقرار إلى العراق. وقال الرئيس: "إنك تنظر إلى بلد مثل اليمن –وهو بلد فقير جداً وواحد له انقساماته الطائفية والعرقية الخاصة. هناك، لدينا فعلياً شريك ملتزم في شخص الرئيس (عبد ربه منصور) هادي وحكومته". وقد جاءت تصريحاته لتكون بمثابة الصدمة بالنسبة لمعظم اليمنيين. فالتناقض بين واقع بلدهم السياسي وسمعته كقصة نجاح في الربيع العربي كان صارخاً على الدوام، لكنه أصبح الآن غير معقول أيضاً.
قبل أيام فقط من حديث أوباما، كانت تظاهرات –تجاهلها الإعلام الدولي بشكل كبير، بما أنه لا يسمح بدخول سوى قلة من الصحفيين إلى البلد هذه الأيام- قد اندلعت في العاصمة اليمنية. وقام المتظاهرون الغاضبون بإغلاق شوارع صنعاء الرئيسية، وإحراق الإطارات، وأطلقوا الهتافات المناهضة للحكومة الانتقالية وضد هادي، الرجل الذي يترأس هذه الحكومة. ويبدو أن اليمنيين الذين أصبحوا يعانون ببساطة تحت ضغوط حالات النقص الشديد في الاحتياجات، والطوابير التي يبلغ طولها كيلومترات على محطات البنزين، وانقطاعات الكهرباء التي تمتد لعشرين ساعة.
في نفس اليوم الذي اندلعت فيه الاحتجاجات، عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً في بيروت بين وسطاء القوة الجدد في اليمن وبين نخب البلد السابقة. وخلال الاجتماع، حظي التقدم الذي أحرزه البلد بالإطراء والثناء واسع النطاق، خاصة في مجالات تحقيق الشمولية والاستقرار. لكن الحقيقة هي أن اتفاقية العام 2011 المتمتعة بالدعم الدولي، والتي نقلت السلطة من علي عبد الله صالح الذي حكم البلد منذ العام 1978، كانت صفقة فاسدة في حد ذاتها. فقد عملت على مجرد تسليم الرئاسة إلى نائبه هادي، في حين ضمنت أن يستمر صالح في لعب دور خلف الكواليس. كما أنها أعطته الحصانة أيضاً عن كل ما قام به من مخالفات خلال فترة حكمه التي استمرت 33 عاماً في السلطة. وليس هذا والديمقراطية نفس الشيء. والأسوأ من ذلك هو أن الاتفاقية جعلت من أمر تحقيق انتقال حقيقي إلى الديمقراطية في اليمن أكثر صعوبة بكثير، كما زرعت بذور أزمات جديدة.
كان أحد وعود الاتفاقية الرئيسية لعشرات الآلاف من الناشطين المؤيدين للديمقراطية الذين خرجوا إلى الشوارع من أجل الإطاحة بعلي عبد الله صالح هو عقد مؤتمر الحوار الوطني. وكان يفترض أن يجمع المؤتمر كافة الفصائل السياسية معاً، من حركة الانفصاليين الجنوبيين إلى أنصار التحديث من الشباب، من أجل التفاوض على وضع الخطوط العامة لهيكل سياسة اليمن المستقبلية؛ ثم طرح حصيلة هذه المفاوضات لاستفتاء عام من أجل المصادقة عليها. ومع ذلك، فإن مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في الفترة ما بين شهر آذار (مارس) وكانون الثاني (يناير) 2014 صنع القليل سوى تمديد ولاية البرلمان (الذي انتهت صلاحيته في العام 2008) والرئيس (الذي تتكون شرعيته الديمقراطية من استفتاء أقيم على عجل لإقرار خدمته ولاية واحدة في المنصب). ثم تجاهل مؤتمر الحوار الموطني لوائحه الخاصة ورفض طرح هذه القرارات للتصويت العام.
نتيجة لذلك، ظل عدد المسؤولين اليمنيين المنتخبين فعلياً عند الصفر، في عملية احتيال حظيت بدعم من كامل المجتمع الدولي. وقد استمر قادة العالم في امتداح المؤتمر، وفي دعمه مالياً وسياسياً، حتى بينما أصبح واضحاً أن مؤتمر الحوار الوطني لم يكن سيسفر عن الوفاء بوعودة والآمال المعلقة عليه.
في هذه الأيام، تجري إعاقة أي محاولات للتدقيق في أداء الحكومة باستخدام الأطروحة القائلة بأنها حكومة إجماع وطني، وبذلك غير قابلة للمساءلة أو المساس. وبالتالي، أفضى ذلك إلى تصاعد الفساد وحسب. وفي العام 2013، قفز ترتيب اليمن على مؤشر الشفافية الدولية إلى 167 من بين 177 بلداً. وكان ترتيبه في العام 2012 يقف عند 156. وببساطة، أصبح من المستحيل مساءلة أو المساس بأي مسؤول في اليمن –من الأكثر نفوذاً وقوة إلى الأقل أهمية. وفي الوقت نفسه، قامت المؤسسة الأمنية التي تنتمي إلى النظام القديم وخليفتها بشن حرب شاملة ضد حرية الصحافة. وقامت بقمع واعتقال وترحيل أكثر من دزينة من الصحفيين المحليين والدوليين. كما قامت بحظر أو قمع ومضايقة العديد من المنافد الإعلامية، مثل قناة "اليمن اليوم" التلفزيونية. كما تم التنديد بالاحتجاجات ووصمها بأنها تعبير عن الدعم للنظام القديم.
الآن، يذهب الوضع من هناك إلى مزيد من السوء: في شمال البلد وجنوبه، ما تزال انتفاضات كبيرة وكاملة ضد النظام الحالي قائمة على قدم وساق. ولكن، وبدلاً من تهدئة المناطق عن طريق تفعيل الشفافية، تحول مؤتمر الحوار الوطني ببساطة إلى عربة ووسيلة لاحتواء نخبة منتقاة من القادة من بين قادة الثوار على غرار نخب النوادي. وقد ساعد مثل هذا الازدراء في بلد يحتاج فيه أكثر من 1.5 مليون إنسان إلى المساعدات الإنسانية، حسب تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، في ترويج دعاية الجماعات المسلحة إلى ما لا نهاية. وأصبح الوضع الأمني اليمني الآن شديد القتامة والخطورة، حتى أن ضباط الجيش شرعوا في التخفي في الأماكن العامة خوفاً من التعرض للاغتيال.
في أوائل شهر تموز (يوليو) الماضي، قامت إحدى جماعات التمرد، جماعة الثوار الحوثيين المسلحة القوية، بالاستيلاء على منطقة عمران خارج العاصمة، واستولت معها على العشرات من الدبابات والمدافع الثقيلة. كما قتل الثوار القائد العسكري الأعلى في المحافظة، وهو موال للإسلاميين الذين يشكلون إحدى الجماعات المعارضة للحوثيين. وقد أجبر حصار الحوثيين للمدينة أكثر من 30.000 شخص على الفرار من ديارهم. ولو أن مؤتمر الحوار الوطني لم يكن قد شل أيدي الحوثيين المنتقين كمحاورين، مما زاد نفوذهم وإنما ليس مصداقيتهم، وعمد بدلاً من ذلك إلى وضع اتفاق سلام ديمقراطي أصيل، لكان التمرد أضعف الآن.
أصبح يتضح الآن باطراد أن اتفاقية المرحلة الانتقالية كلفت اليمن ثمناً غالياً. فقد أصبح اليمنيون يعيشون في أرض الخوف والإخضاع، وطوابير الوقود والجوع، والعنف والفساد. وبالنسبة لهم، بدت إشارة أوباما المذكورة إلى اليمن أشبه بنكتة رديئة في أحسن الأحوال، وإهانة صفيقة خالية من الإحساس في أسوئها. ولا بد أن تكون هذه الإشارة أكثر إثارة للقلق بالنسبة للعراقيين أيضاً. فقبل بضع سنوات فقط، اعتاد الناس في اليمن التحذير من قدوم "سيناريو عراقي" إذا لم تتم معالجة مشكلات البلد، ما يعني أن اليمن سيكون العراق الجديد. لكنهم لم يعودوا يقولون ذلك الآن. لقد أدرك الناس في اليمن ما لا يدركه أوباما: أن سيناريو اليمن اليوم ينبغي أن يستخدم كتحذير ونذير سوء، وليس كحل للعراق. تماماً مثل التجارب المنطوية على المخاطرة والتي تعرض على شاشة التلفاز: يجب عدم محاولة تجربة النموذج اليمني في المنزل.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Sana'a Illusion: Why Yemen Is Not A Model for Iraq
* كاتب وناشط يمني من مديرية وصاب محافظة ذمار اليمن. وهو أول متحدث يمني يلقي خطاباً أمام الكونغرس الأميركي. أدرجته مجلة فورين بوليسي ضمن اهم الشخصيات في العالم
 للعام 2011.

[email protected]

التعليق