"القناعة" كنز يترسخ بالتربية والسلوك

تم نشره في الخميس 7 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً
  • على الأهل تربية الطفل بطريقة تجعله يبتعد عن التطلب بشكل متكرر كي يصبح قنوعا- (MCT)

تغريد السعايدة

عمان- تؤكد لمياء أحمد (33 عاماً) أنها قبل سنوات عدة، كان طموحها بأن تمتلك الكثير من المال من أجل تحسين وضعها المعيشي بشكل عام، لذا كانت ترفض الزواج ممن يتقدمون لخطبتها بحجة “عدم امتلاكهم المال”، على الرغم من أنهم متعلمون ومن عائلات “محترمة”، على حد تعبيرها.
وبقيت لمياء تفكر بالطريقة ذاتها واستمرت في العمل على فترتين من أجل زيادة دخلها المادي، وتقول “كلما امتلكت شيئا لا أتوقف عند ذلك، بل أطمح بالمزيد، ولم أقتنع بأي وضع أصل إليه”.
وبعد أن تعبت من التفكير بهذه الطريقة، راجعت لمياء نفسها وحاولت التغيير من سلوكها، كونها لاحظت ابتعاد الكثير من صديقاتها عنها، بسبب حديثها المتكرر عن الطموح والامتلاك وغير ذلك.
سوسن جبر تؤكد أن القناعة تغيب عند الكثيرين، إذ إن المقارنة التي يضع أكثر الناس أنفسهم فيها هي سبب فقدان هذا الكنز الثمين، مبينة أن الشخص الذي يضع نفسه في موقع مقارنة مع أشخاص يملكون أكثر مما لديه، يجعله دائم التفكير في كيفية تحسين وضعه المادي أو الاجتماعي، وهذا يُغيب القناعة عنه بشكل تام.
وتردف جبر قائلة “كل منا يسعى إلى امتلاك كل ما يتمناه، ولكن هذه أرزاق مقسمة من الله تعالى، وكل شيء بقدر، لذلك يجب أن يبقى الإنسان قنوعاً بما كتبه الله له، سواءً بما لديه من مال أو أبناء، أو حتى وضع اجتماعي وتعليمي محدد”.
وكل إنسان يطمح في حياته إلى امتلاك كل ما يرغب به أو يحتاجه، حتى وإن كان هذا الشيء من الكماليات، إلا أن تزايد رغبة الإنسان بالتملك قد تجعله إنساناً غير “قنوع” بما قسمه الله له ويسعى بما فوق طاقته للحصول على ما يرغب.
من جهته، يعتقد جلال عبد الكريم أن الأهل يقع على عاتقهم دور كبير في تنمية هذه الصفة الإيجابية في البناء التربوي، فليس من الضروري على الأهل أن يحققوا كل مطالب الطفل في الصغر، حتى يعتاد على أنه “ليس كل شيء متاحا وفي أي وقت”، فهذا يجعل الطفل يكبر وقد ترسخت لديه فكرة أن “ليس كل مطلوب متاحا، فلكل شخص قدرته على التملك وعليه الاقتناع بذلك”.
ويقول عبد الكريم إن القناعة هي نعمة من الله، لذلك كثيراً ما تُذكر في الحكم والأمثال وأحاديث الحكماء، فهي دليل على إيمان الشخص بما يملك وتجعل الفرد يشعر براحة كبيرة في حال تخلى عن كل ما تتطلبه نفسه، فالإنسان بطبعه يرغب بالمزيد في كل ما يلبي رغباته، على حد تعبيره.
وحتى يتربى الإنسان على القناعة في نفسه، تؤكد الاستشارية الأسرية والإرشاد التريوي سناء أبو ليل على أن الأهل يقع على عاتقهم الكثير من المسؤولية في تربية الطفل تربية سليمة، تجعله يبتعد عن التطلب بشكل متكرر، والتعرف على الطريقة التي تجعلهم أشخاصا “قنوعين وبعيدين عن التطلب بشكل كبير”. وتبين أبو ليل أن تعديل السلوك لدى الأفراد يحتاج لوقت وتصميم، وبخاصة لدى صغار السن، إذ ان الشخص الذي لا يملك القناعة بما لديه، يعاني من حالة من السلوك غير المقبول اجتماعياً، لذلك عليه أن يعمل على تعديل سلوكه من خلال عدة خطوات، تبدأ من الداخل وبشعور الفرد أن وضعه افضل من غيره في الكثير، وبأنه كما يتمنى أن يملك أشياء، هناك أشخاص لا يملكون ما يملك هو.
وهذا ما تؤكده أم يزيد، وهي أم لطفلين، إذ ترى أن الوالدين هم من يربون فينا هذه الصفات. وتقول عن تجربتها إن والدتها كانت دائمة الحمد لله، ومهما كان الوضع الاقتصادي للعائلة، فإنها تُشعرهم بأنهم أفضل من غيرهم، ويملكون الكثير من الأشياء الجميلة في الحياة.
وتؤكد أم يزيد أنها في صغرها كانت تحلم وتطمح بأمتلاك الكثير من الأشياء، إلا أنها بعد أن كبرت ووعيت، وتعلمت من والديها “القناعة”، وجدت أن ذلك منحها شعورا داخليا بالرضا والثقة بالنفس بكل ما لديها، مشيرة إلى أن ابتعاد الناس عن القناعة يمكن أن يصيبهم بـ”الحسد”، فيتحول الشخص إلى إنسان “حسود”، لأنه بعدم قناعته يتمنى ما لدى الناس أن يمتلكه هو.
ومن الناحية النفسية، يعتقد اختصاصي علم النفس السلوكي الدكتور خليل أبو زناد أن الرضا والقناعة تجعل الإنسان فردا مسالما ولا يسعى إلى أهدافه إلا بطرق شرعية ومقبولة، ويكون بذلك إنسانا يشعر بـ”السلام الداخلي” بينه وبين نفسه، وبالمقابل يكون فردا مؤمنا بكل ما وهبه الله له.
ويبين أبو زناد أن الإيجابية التي يتمتع بها الإنسان “القنوع” تجعل منه شخصا معطاء ويضحي بأشياء يملكها لصالح غيره من المحتاجين، وهذه صورة عن القناعة التي تجعله يرضى بما قسمه الله له، لافتا إلى أن العطاء له كبير الأثر في نفسية الشخص وشعوره بالسعادة والطمأنينة في الحياة، وتلك الإيجابية تنعكس على المجتمع بكل جوانبه.

التعليق