ماجد توبة

الحل بتفكيك البيئة الحاضنة لـ"داعش"

تم نشره في الأحد 10 آب / أغسطس 2014. 11:03 مـساءً

بديلا للمعالجة الجذرية والصحيحة لمشكلة تضخم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، والتداعيات الخطيرة لسيطرة التنظيم على أراض شاسعة من العراق وسورية، تذهب الولايات المتحدة في مقاربتها للاشتباك مع هذه الأزمة إلى سياسة الضربات الجوية والعمل العسكري المحدود، فيما تراوح حكومة بغداد الطائفية والمأزومة في مربع الأزمة، وعدم الرغبة أو القدرة على تجاوز الأسباب والأبعاد التي فرخت وتفرخ هذه الأزمة المتدحرجة!
وفيما يتفاقم خطر "داعش" على الأرض في سورية والعراق، وتتضخم قواته البشرية والمالية والتسليحية والتنظيمية، وتتسع جرائمه بحق مختلف شرائح وطوائف المجتمعين العراقي والسوري، وأبرزها الأقليات، كما هو الأمر مع مسيحيي الموصل، تبدو المقاربة الأميركية للتعامل مع الملف قاصرة وفاشلة، إن لم نقل متواطئة أو غير مفهومة على الأقل؛ إذ تلجأ للضربات العسكرية الجوية التي لن تغني ولن تسمن من جوع، ولن تستطيع احتواء تضخم هذا التنظيم المتطرف، ناهيك عن كسره.
إذا كان البعد والسبب الرئيس في تعزيز حضور "داعش" والتنظيمات المتطرفة وقوتها المتضخمة في سورية، هو الحسابات الدولية والإقليمية العمياء، والمقامرة باستقرار ومصالح المنطقة كلها بخلق وتسمين هذه القوى، فإن الأسباب في الحالة العراقية قد تختلف قليلا، حيث يتمثل البعد الرئيس اليوم في تضخم "داعش" و"القاعدة"، في توفر البيئة الحاضنة لهذا الفكر المتطرف والتدميري في مناطق السنة في العراق، والتي نتجت وتوفرت جراء سنوات من الإقصاء والتهميش الدموي والممنهج  للمكون السني، وتكريس حكومة نوري المالكي والنخبة السياسية العراقية للطائفية بأبشع صورها.
لن تجدي اليوم الضربات العسكرية الأميركية في اقتلاع خطر وتمدد "داعش" في العراق، تماما كما تعجز حكومة بغداد، المدعومة من إيران، عن هذه المهمة، بل إن مثل هذه المقاربة العسكرية، حتى لو تحولت إلى معركة برية وقوات أميركية على الأرض، لن تسهم إلا في تفاقم الأزمة، ولن تقضي على "داعش" وحضورها، بل قد تعزز التفاف البيئة الحاضنة المهمشة حولها.
ليس أمام الولايات المتحدة، إن صدقت نواياها المعلنة بالتصدي لخطر التطرف و"داعش" على العراق والأقليات فيه، وليس أمام العالم والدول العربية، إلا تفكيك أسباب وعوامل تشكل البيئة الحاضنة لهذا التطرف، وذلك عبر العودة إلى جذر المشكلة والأزمة، وهي الموجودة في بغداد ذاتها، والمستحكمة بعقلية نخبة سياسية وحكومة طائفية، باتت تجد مصلحة سياسية في تمدد "داعش" وإجرامه بحق العراقيين، لتعزز الالتفاف الطائفي حولها في مواجهة باقي المكونات السياسية وأي ضغوط محلية أو دولية لتغيير أسس اللعبة السياسية في العراق.
جلالة الملك عبدالله الثاني كان مباشرا وواضحا، في مقابلته مع "الغد" التي نشرت أمس، في التأشير إلى أساس الأزمة العراقية اليوم، عندما أكد جلالته أن تغييب أي مكوّن من مكونات الشعب العراقي، يعني تغييب الاستقرار، كما يعني نمو التطرف وتهديد وحدة العراق أرضا وشعبا؛ وأن هذا البلد الشقيق بات في أمس الحاجة اليوم إلى عملية سياسية وطنية جامعة، تشارك فيها كل الأطياف والمكونات من دون استثناء لأي طرف.
هذه المقاربة التي يحرص الملك على طرحها في كل مناسبة ومنبر، هي المدخل الصحيح للاشتباك اليوم مع الأزمة العراقية وصعود سهم التطرف و"داعش".
الحلول العسكرية والضربات الجوية، وتجريب المجرب الأميركي، مع إبقاء "أس" الأزمة في بغداد، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والتقسيم للعراق، وإلى مزيد من الحقن والتغذية للبيئة الحاضنة لهذا التطرف وللنمو السرطاني لـ"داعش"، ليس في العراق وسورية فقط، بل سيطال شرره المنطقة قاطبة.

التعليق