الطريقة الذكية لقصف "داعش"

تم نشره في الأربعاء 13 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • طائرة أميركية في عملية قصف - (أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

جون ألن غاي - (ذا ناشيونال إنترست) 7/8/2014

ذكر قبل بضعة أيام أن إدارة أوباما تدرس احتمال توجيه ضربات جوية ضد "الدولة الإسلامية"، وذلك بعد أيام عدة من تقدم أخير أحرزته دولة الخلافة المزعومة. وقيد الدراسة أيضاً إيصال مساعدات إنسانية إلى مجموعات الأقليات التي هربت مع زحف "داعش"؛ حيث ذكر أن ثمة آلافاً منهم أصبحوا عالقين من دون غذاء أو مياه في شريط ضيق وتحت حرارة محرقة. وقد تنضم فرنسا وتركيا إلى التدخل الأميركي -ويبدو أن الأتراك يقدمون المساعدات مسبقاً.
بكل المقاييس، فإن فكرة "العودة للعراق ثانية" ستكون صعبة التسويق بالنسبة لأوباما. لكن وقوع مواجهة بين أميركا والدولة الإسلامية ربما سيكون حتمياً -إذا لم يكن الآن فعند نقطة مستقبلية ما. فلقد قوضت مكاسب "داعش" استقرار المنطقة على نحو عميق؛ حيث وضعت الاصطفافات الدبلوماسية تحت الضغط، واستولت على البنية التحتية الحيوية، وتسببت بسجل تدفق ضخم للاجئين. وفي الأثناء، أصبح الاستقلال الكردي والانهيار الأوسع للحدود الاستعمارية القديمة في المنطقة أمرين أكثر ترجيحاً. وإلى جانب ذلك، تعاظمت الجاذبية الاستقطابية للجهاد. وأصبحت السياسة الداخلية في بغداد حتى أكثر خشونة. وعلى الصعيد الخارجي، زادت كل من إيران وروسيا نفوذهما في بغداد. فما هي العوامل التي ستشكل مقاربة أميركا لهذه المسألة في ظل كل ذلك؟
- القيادة المحلية: في الوضع المثالي، يجب أن تحمل القوى الإقليمية معظم العبء الناجم عن التدخل. فهي لديها المزيد مما هو على المحك فيما يتعلق بالنواتج، ولذلك ستكون في وضع أفضل إذا استمرت في الانخراط. وثمة المزيد من المخاطر الأخرى أيضاً. وكما أشار آخرون، فإنه قد لا يكون ضرباً من الفطنة بالنسبة للولايات المتحدة أن تبادر إلى تولي القيادة في معركة سحق الخلافة المعلنة، من بين أمور أخرى، لأن ذلك سيناسب السرد الذي كان أسامة بن لادن وغيره قد دفعوا به، من أنه تجب مهاجمة أميركا وهزيمتها كخطوة أولى على طريق الانبعاث الإسلامي. وقد فقد ذلك السرد مغزاه حيث تقف "الدولة الإسلامية" راهناً لتكون أبرز مثال على الرجوع وراء نحو النوع الأكثر تقليدية من الجهاد العنيف: مهاجمة السلطات المحلية أولاً. وسيكون شن حرب من جانب فرنسا –على نحو يشبه بشكل ما تلك الحرب التي كانت قد شنتها ضد القذافي- أن يخاطب الاعتبار الأول. وستسجيب مبادرة تركيا لشن حرب لكلا الاعتبارين.
الجانب السلبي من استخدام لاعبين محليين، يكمن في أنهم غالباً ما ينطوون على أهداف تكون في الغالب مختلفة تماماً عن أهدافنا -وذلك ما يفسر، مثلاً، لماذا لم تلق الدعوات الموجهة لواشنطن من أجل العمل مع طهران ضد "داعش" الكثير من الاهتمام من الجانبين على حد سواء. كما يفتقر اللاعبون المحليون إلى العديد من القدرات التي تتمتع بها أميركا، وهو ما يحد من قدرتهم على تحقيق نتائج. لكن ثمة موازين لهذه التراجعات: فلطالما تنافست تركيا وإيران، على سبيل المثال، على بسط النفوذ على شمالي العراق، وهو ما يجب أن يكون دلالة لنا على أن هناك عوائق طبيعية تعترض الجانبين على صعيد كسب الهيمنة. وبينما لا تتمتع القوات التركية بنفس الخبرة الماهرة الأميركية، فإن احتمالات أن تجلب أميركا طائفة كاملة من قدراتها لتحل مشكلة "داعش" تبقى قليلة -أو أننا سنقوم بذلك لوقت طويل جداً.
كما أن الأتراك هم أيضاً أكثر اعتياداً على السياسة والثقافة المحليتين -وهي مجموعة مهارات نفتقر إليها، والتي ستكون مفيدة في تأسيس حل مستدام ومحلي. وبينما تبدو تركيا وأنها في اتجاه أن تصبح أكثر أوتوقراطية وأقل وداً تجاه أميركا وحلفائها، فإنها لا تشكل نفس نوع الخطر الذي تشكله "داعش". إنها ما تزال عضواً في حلف الناتو، كما تظهر حقيقة أنها ما تزال تتخذ خطوات في العراق توازي خطواتنا أننا ما نزال نشترك في المصالح هناك.
إن اللاعبين المحليين، باختصار، هم أفضل أمل لحل طويل الأمد، حل لا يعيد المتشددين على أعقابهم وحسب، وإنما يبني شيئاً قريبا من نظام سياسي مستقل أيضاً، حيث يظل الافتقار إلى ذلك النظام، بعد كل شيء، عاملاً مركزياً في نجاح "داعش". وهنا ثمة دور لأميركا في ذلك. كما أن لدى العراق والأكراد وتركيا وإيران جميعاً قدرة على تشكيل المحصلات وإحباطها. وسوف نكون نحن وسيطاً مناسباً. لكن هناك محدداً رئيسياً مع ذلك: إننا ما نزال مترددين جداً في جلب طهران إلى داخل الحوارات الأمنية الإقليمية المشابهة، مثل محاولات إيجاد حل دبلوماسي في سورية. وتتمتع إيران بنفوذ كاف في بغداد وأجزاء من كردستان على نحو يجعل استثناءها مكلفاً، لكننا ربما نحاول ذلك على أي حال.
- معاناة العراقيين السنة: على أنه لا يمكن فهم صعود "داعش" من دون الإشارة إلى فشل رئيس الوزراء العراقي المطلق، نوري المالكي، في بناء حكومة تضم كل الخطوط الطائفية. وفي المناطق السنية، أصبح الكثيرون ينظرون إلى هذه الحكومة على أنها غائبة عن المشهد في أفضل الحالات، وقمعية جداً في أسوئها. وتبعاً لذلك، استفادت الدولة الإسلامية من الدعم الذي قدمه عدد من الميليشيات التي تختلف أهدافها في العراق عن أهداف الدولة الإسلامية.
سيكون من شأن تدخل ذكي أن يدرك هذه الديناميات ويستخدمها لصالحنا. وسيكون استئصال "داعش" أفضل من أجل نسف كل من يرفع الراية السوداء بين الأنبار وديالا. ولعل الاستهداف الحذر، وربما التركيز على المناطق التي تقاتل فيها الدولة الإسلامية مع باقي المعارضة السنية سيكون مسعى ذكياً. ويحتاج ذلك إلى متابعة حصيفة من خلال محاولة استعادة السلطة المحلية وخفض حدة التوترات مع بغداد.
وفي المقابل، سيكون التدخل الأحمق هو ذلك الذي ينطوي على تجاهل للمشكلة السنية. وقد تطور تدخلنا في ليبيا من جهد محدود لإبقاء القذافي بعيداً عن بنغازي إلى تقديم خدمة الدعم الجوي الذي مهد لانتصار الثوار. ولا نريد فعل الشيء نفسه مع جيش عراقي يبدو أكثر شبهاً باطراد بميليشيا شيعية ووكيل إيراني.
- المضايقة: لعل المقاربة الأفضل لتدخل أميركي أكثر محدودية تكمن في التركيز على اعتراض تحركات "داعش" حول أراضيها بدلاً عن طردها من المدن (حيث المخاطرة العالية بسقوط خسائر مدنية)، أو إرغامها على التقهقر للخطوط الأمامية. ونحن مجهزون جيداً لهذه المهمة. وتستطيع الطائرات من دون طيار المتوانية لوقت طويل أخذ وقتها في تحديد الأهداف الأصغر والانتظار حتى تحين اللحظة المواتية لتوجيه الضربات. وتستطيع أنظمة استخبارات الإشارة وإدارة المعركة المتطورة لدينا، مثل "جيه ستارز" المساعدة في تعيين التحركات الأكبر وتوجيه الطائرات الهجومية إليها. وفي الأثناء، تبدو قوات "داعش" أشبه ما تكون بقوات الدولة التقليدية منها بالأولاد الذين ما نزال نقاتلهم في معظم حربنا على الإرهاب وعسكرييها التقليديين، وهو ما نجيد قتاله. ومن الطبيعي أنهم سرعان ما سيصبحون أقل غرابة بالنسبة إلينا عندما تبدأ القنابل بالسقوط، وقد يكون لدينا عدد أقل من الأهداف الأسهل. لكنهم سيجبرون على تغيير طباعهم والتحرك بحذر أكبر، وسيجدون مشاكل أكثر في نقل قوات بين العراق وسورية. ومن شأن هذا أن يجعلهم أكثر هشاشة أمام القوات المتواجدة على الأرض.
غني عن البيان أننا نريد تذكر أن مضايقة "داعش" هي وسيلة، وليست غاية، وإدراك الخطر الكامن وراء الانجرار ببطء إلى حرب جوية لأجل غير مسمى. لكن مجرد التهديد بضربات جوية أميركية سيجبر "داعش" على تغيير تكتيكاتها.
- إنها دولة الخلافة: إن الفكرة من وراء التدخل هي تحقيق حل. فإذن وعندما يعلن الرئيس أوباما أننا سنتصرف، فإنه يجب عليه تحديد أهداف ممكنة الإنجاز وتطهير الحدود من أجل كبح ميل بلدنا الأخير للانزلاق في أتون حروب أكبر وأطول وأكثر كلفة، حروب تطور أهدافاً أحدث وأقل قابلية للإنجاز فيما هي تستعر. على أنه يجب أن يكون هناك جهد حازم وجريء لتحقيق حل دبلوماسي بين القوى في المنطقة، والذي يجب أن يكون محور الانخراط الأميركي. ومن غير الواضح ما إذا كان هذا الحل ممكناً أو أننا قادرون على تسهيله. ويجب علينا أيضاً أن نكون متوجسين جداً من "داعش" مهزومة. فالمقاتلون الناجون الذين سيكون القليل منهم -وربما الكثير- قد عادوا إلى الوطن ربما ينفذون هجمات إرهابية. وسيكون احتواء دولة الخلافة، الخطوة الأولى، هو الخطوة الأولى الأكيدة في هذه الحالة.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
The Smart Way to Bomb ISIS

التعليق