موفق ملكاوي

مرحبا عايد عمرو

تم نشره في الثلاثاء 19 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

منذ وقت طويل، أصبحت حرفتي أن أكتب عن راحلين؛ سواء أولئك الذين غيّبهم التراب، أو الذين تركونا أو تركناهم، وصاروا مجرد ذكريات جميلة أو مؤلمة.
حرفتي أصبحت أن أحفر في الذاكرة، وأنبش القبور، باحثا عن خيوط رقيقة شكّلت حياة كاملة ذات حياة.
بالأمس، زارني عايد عمرو؛ الوجه الملوّح بشمس إربد ورام الله نفسه. الشعر الدائري المنكوش ما يزال هو، رغم سنوات الموت الطويلة، كما لو أنه لم يختر الموت ويمضي وحيدا في طريق الضباب الغامض.
رأيتنا؛ المتوكل طه، مراد السوداني، عايد وأنا. كنا نجلس في مطعم "اللبنى" ذاته في الكرادة العراقية. نتأسى على حصار ظالم، ونتذكر، بالخير، حبيبات غامضات نخلع عليهن أسماء ذات رنين غريب: يافا، حيفا، بيسان، وأخريات لم يطوهنّ النسيان بعد.
في اللحظة الفارقة بين الشعور بالشبع والشبع نفسه، نطلق قهقهات عالية يتردد صداها في فضاء الكرادة المزدحمة، من غير أن ننتبه إلى أن حظرا عامّا للفرح سيتم فرضه عمّا قريب.
وعايد أكثرنا مشاكسة وشغبا. يأبى أن يمرّ يوم من غير أن يحدث "اشتباكا" بين رفيقين، ليطلقا صراخهما في مواجهة بعضهما بعضا، بينما هو يراقب مقهقها بضحكته التي لازمته حتى آخر أيامه.
كناّ جميعنا نستغرب الصداقة المتينة بينه وبين مفلح العدوان؛ فمفلح كان أكثرنا هضما لروحه المشاغبة التي لا تعرف الهدوء. يفهمها تماما، وغالبا ما يقوم بدور الوسيط في فضّ الاشتباكات التي ينسجها عايد ويقع فيها السحر على الساحر. يفهم تلك الروح المشاكسة، ويسلك معها في دروب بغداد وعمّان من غير تريث ولا ريبة. إنها صداقة الأرواح التي حسدناهما عليها كثيرا.
ذات مطر، كنّا نقتل السأم في شارع السعدون الذي يبدو أنه يمتد بلا انتهاء. بغداد غارقة في الحزن الحقيقي، وعايد يومها كان أقرب ما يكون إلى عايد. المطر الغزير، والجو الحار الرطب، أطلقا لسانه بغناء جهوري: "أنا توب عن حبك أنا"، ثم سرعان ما تحوّل إلى أغنية أخرى: "أناديكم، وأشد على أياديكم".
حيويته العالية حفّزتني على مشاركته الغناء، في ما أنا أحاول اللحاق بخطواته السريعة والواسعة.
للمقاومة والحرية أنشدنا معا، ونحن نستقبل مطر بغداد الكانوني الحزين على ملابسنا الصيفية. وعايد أقرب ما يكون إلى نفسه الطفولية الشفيفة. كان سعيدا وهو يقول: صار لنا دولة سنبنيها من الحب والورد. ثم ما لبث أن قهقه عاليا، وقال: "أنا أردني إربدي، وفلسطيني من رام الله. المدينتان محفورتان على شقوق يديّ وفي دمي".
هكذا كان دائما؛ يتغنى بمدينتين أحبهما، وأعلنتا عليه الحداد طويلا حين جاءهما الناعي. إنه عايد عمرو، الصديق الذي كان ما إن يشتاق إلينا حتى يحمل حقيبته الصغيرة ويعبر جسرا كاملا من الألم ليكون بيننا.
مرحبا عايد عمرو.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما زلت في القلب وكأنك لم ترحل وننتظر ان تعود من السفر (معتصم عايد رشيد عمرو)

    الأحد 4 كانون الثاني / يناير 2015.
    اشكرك استاذ موفق على هذه الكلمات الرائعه وشكرا لك على هذه الصحبه الجميله التي لم تذهب حتى لو رحل صديقك