عيسى الشعيبي

سميح يأخذ غفوة مستحقة

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

أحسب أن سميح القاسم، شاعرنا الذي أثرى الوجدان الفلسطيني شعراً مقاتلاً، وملأ المخيال العربي صوتاً هادراً، قد أصابه النعاس فجأة؛ غمره الوسن، وأضناه الوقوف الطويل، وحيداً، على المنبر العالي بكل الكبرياء الوطني. لذلك، آثر هذا الفتى الجليلي الكبير، الذي لا يخاف الموت وإن كان يكرهه، أن يأخذ غفوة مستحقة.
فالشعراء من وزن سميح القاسم لا يموتون، ولا يتقبلون منا المراثي، ولا يحضرون بيوت العزاء المقامة لهم. لذلك، فنحن لا نؤبن سميح، ولا نجيز لأنفسنا رثاءه. فقط نحن نساهم في تكريم روحه المحلقة في سمائنا؛ نجدد حضوره بيننا ليس إلا، على نحو ما كان هذا الحضور قوياً، ومفعماً بالتدفق السلس والإدهاش الجميل.
غير أن ما يعز على النفس أن نشهد غياب الضلع الثالث من مثلث شعراء المقاومة؛ توفيق زيّاد، محمود درويش، وأخيراً سميح القاسم، في تتابع مثير للأسى والالتياع. فقد مضى ثلاثتهم في لحظات كنا فيها أحوج ما نكون إلى مضائهم الباعث على مزيد من الصمود، الحافز على استنهاض ما في الأعماق من حيوية واخضرار، ومواصلة معركة الخلاص والحرية والاستقلال.
استكمل ثلاثي شعراء المقاومة ملحمة الحضور والغياب؛ هؤلاء الذين تعرفنا على أصواتهم الملهمة أول مرة زمن هزيمة حزيران 1967، وترافقنا معها على مدى سنوات، كانوا فيها ثلاثة أقمار، وكانت قصائدهم تثير فينا مشاعر الاعتزاز بالنفس، وتدعونا إلى الثقة بأن في آخر الليل الطويل قبس يضيء فضاء الروح المثخنة بجراح الانكسار.
عندما تعرفنا عليهم عن قرب، بعد مرور سنوات أخرى، كانت المقاومة التي بشروا بها شعراً قد غدت حقيقة على الأرض. ووجدنا فيهم أناساً من دم ولحم، يفيضون حباً وصفاء ذهن، وتوقداً وطنياً، زادهم ألقاً فوق ألق، ورفعهم منزلةً فوق تلك المنازل التي كانوا قد احتلوها بجدارة في الوجدان العام.
على المستوى الشخصي، لم يحالفني الحظ بالتعرف على السنديانة النصراوية السامقة، توفيق زياد؛ ولم أخالط بما يكفي الشاعر الفلسطيني الأردني العروبي الأممي الرائع سميح القاسم. إلا أنه كان لي حظ أوفر بكثير مع محمود درويش منذ أن حط عصاه في بيروت أوائل السبعينيات، فكنت أرى فيه عن قرب قريب، ما كنت أراه عن بعد في رفيقيه: توفيق وسميح.
بعد ترجل محمود درويش عن صهوة حصانه الشعري، حسدنا بعض القادة الإسرائيليين على أن لدينا شاعراً ذائع الصيت من طينة محمود، قال لهم إنكم عابرون في كلام عابر. ورغم ذلك، تمنى بعضهم الآخر لو أن في تراثهم الأدبي المعاصر نسخة شبيهة بهذا الفتى الفلسطين الجميل، الذي غدا عنواناً باذخاً من عناوين فلسطين. فما الذي سيقوله لنا هؤلاء الذين كان يهدر سميح القاسم في وجوههم شعراً مقاتلاً، وصوتاً شجياً طالعاً من عمق أعماق ما في الضمير الوطني الفلسطيني من صلابة، ومما في روح هذا الشعب من قدرة على التحليق عالياً فوق غبار الهزائم، لاسيما بعد أن عبر ورفيقاه درب الجلجلة إلى دار الخلود، وتركوا لنا كل هذا الإرث النبيل؟
وليس من شك في أن رحيل سميح القاسم خسارة وطنية وقومية ثقيلة، وخسارة شخصية مؤلمة لأصدقائه ومحبيه، وفوق ذلك خسارة أشد وطأة لأدب المقاومة الذي كان سميح أحد رواده الأوائل، ورافعة قوية من روافع هذه الظاهرة الثقافية الفريدة في آداب الشعوب.
استحق سميح القاسم لقب حارس النضال الفلسطيني بكل جدارة، وتكنى بلقب منشد الثورة، وصاحب الهامة العالية؛ إذ كانت قصيدته كالسيف حيناً وكالبندقية أحياناً أكثر. وغدا بذلك علامة فارقة في تاريح الشعر المقاوم، وظل صدى صوته يجلجل في وهاد الجليل وفي ذرى جبال فلسطين.
لم يكن سميح القاسم صاحب صوت شعري مميز فحسب، وإنما كان صاحب موقف أكثر تميزاً. فقد كان أول من كسر القيد، وتمرد على القوانين الإسرائيلية المجسدة للظلم الواقع على الإنسان الفلسطيني، فكان بذلك مصدر إلهام للكثيرين من بعده، ممن حملوا جمر الكلام الشجاع والمواقف المشرفة.
سلام على روحك يا سميح، ولا نقول لك وداعاً وأنت الحاضر فينا وبيننا بكل هذا الحضور الرهيف.

التعليق