تقدير موقف حول مستقبل قطاع غزة بعد انتهاء العدوان

تم نشره في الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • أرشيفية لقصف إسرائيلي على قطاع غزة

غزة- أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات تقدير مواقف (3) بعنوان "مستقبل قطاع غزة: اليوم التالي لانتهاء العدوان الإسرائيلي"، للكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة.
ويرى الكاتب في تقديره أن ما يجري على أرض غزة من تصدٍ للعدوان، ومن مجابهة عسكرية وصلت إلى حدّ الندية في الميدان، لينعكس بتأثيره الإيجابي على مجمل القضية الفلسطينية، وسيتجاوز بردة فعله حدود قطاع غزة.
وأوضح أن ما يجري سيرسم أيضًا معالم مرحلة سياسية جديدة لا تعتمد المفاوضات طريقًا وحيدًا لحل الصراع مع العدو الإسرائيلي، وإنما تتبنى كافة الوسائل المتاحة لدى الشعب الذي يحارب عدوًا يعمل بلا كلل على استئصال فكر المقاومة من عقول الفلسطينيين، ويحرص على تجريدهم من مكونات بقائهم الروحي.
وقال "منذ اليوم الأول لفشل العدوان على غزة، صار مستقبلها السياسي والاقتصادي محكومًا بقدرات المقاومة الفلسطينية على المواجهة الميدانية، وبالتالي صار مستقبل القضية الفلسطينية برمته محكومًا لهذه النتائج، بل صار مستقبل الكيان الإسرائيلي نفسه محكومًا بالنتائج التي ستنجلي عنها المعركة.
ويرى الكاتب أن ذلك ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى القول "إننا نخوض على حدودنا الجنوبية حرب وجود، فإما نكون أو لا نكون، ليأتي بعد ذلك شمعون بيريز رئيس الدولة، ويقول "يجب أن ننتصر في معركة غزة، ويا ويل "إسرائيل" لو هزمت في الحرب على غزة".
وأشار أن هذه التصريحات المستندة إلى الواقع، لتؤكد أن الذي سيثبت في الميدان سيكون هو الأقدر على فرض شروطه على الطرف الذي تتفكك مقومات مقاومته في مقابل قدرات الآخر.
ثلاثة احتمالات للمواجهة
وفي تقدير أبو شمالة، فإن لهذه المواجهة الميدانية المصيرية ثلاثة احتمالات، الأول أن توظف "إسرائيل" كامل طاقتها العسكرية، وتحرك آلة بطشها لاحتلال قطاع غزة بالكامل، بهدف اقتلاع المقاومة من جذورها ـ كما يتوهم المتطرفون.
ولكن هذا الاحتمال – وفق أبو شمالة- بات مستبعدًا جدًا، ولا سيما بعد أن حذرت منه شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في تقريرها الذي قدمته إلى الحكومة الإسرائيلية بكامل هيئتها، مبينًا أن نجاح هذا الاحتمال يترك مصير غزة في يد الإسرائيليين، يقررون بشأن مستقبله ما يرغبون.
والاحتمال الثاني- حسب أبو شمالة- أن تُضعف المقاومة من خلال صبّ القذائف الإسرائيلية الانتقامية صبًا على رؤوس المدنيين، ومن خلال مواصلة الحصار والتدمير الهادف إلى استنفاذ مخزونها، واستنزاف قدرتها، بحيث تتراخى قبضتها، ويتراجع تأثيرها على حياة الإسرائيليين، فتعود الحياة في التجمعات الإسرائيلية إلى طبيعتها.
وأوضح أن هذا ما تتمناه "إسرائيل"، وما سعت إليه، ولكن مجريات الأحداث الميدانية بعد نحو 50 يومًا من المواجهة تعاكس الأماني الإسرائيلية، وتؤشر إلى طول نفس المقاومة.
وأكد أن نجاح هذا الاحتمالُ يبقي أمر غزة على ما هو عليه، ويبقي القضية الفلسطينية رهينة طاولة المفاوضات العبثية، بل وسيمد في عمر المفاوضات عشرين عاماً إضافياً.
أما الاحتمال الثالث، أن تواصل المقاومة حرب الاستنزاف بمستواها الراهن، وأن تواصل التوتير العسكري المحسوب بدقة، مع شلّ التفوق العسكري الإسرائيلي من خلال التخندق في الأنفاق، وإرباك الحياة الاقتصادية والمدنية الإسرائيلية.
وأضاف أنه في هذه الحالة سيشكل الجمهور الإسرائيلي مادة الضغط الإضافية على قيادة الكيان، ولا سيما أن استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" عشية الموافقة على تهدئة 72 ساعة في الخامس من آب (أغسطس) الجاري قد أشار إلى أن 18 % من الإسرائيليين يرون أن "دولة إسرائيل" قد انتصرت في المعركة.
بينما يرى 28 % أن حركة حماس هي التي انتصرت في المعركة، في الوقت الذي يرى 48 % من الإسرائيليين أن نتائج المعركة كانت تعادل بين الكيان الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية.
وفي تقدير الكاتب إن التعادل بحد ذاته يمثل نصرًا للمقاومة، وهذا ما سيجبر الاحتلال الإسرائيلي على الركوع، والتوصل إلى اتفاق تهدئة مع المقاومة وفق شروطها، وهذا هو الاحتمال الأقرب للتحقق.
ما تخبئه الأيام القادمة 
واستعرض الكاتب الامكانيات التي تُخبئها الأيام القادمة لغزة؟، وهي:
أولا: تحقيق التهدئة من خلال المبادرة المصرية التي باتت لها الحظوة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي في الفترة الأخيرة، وهي المبادرة ذاتها التي رفضها الكيان، حين ضَمَّنها الوفد الفلسطيني شروطه، ومع ذلك فقد أمست المبادرة بالية، وقد عفّا عليها الزمن من وجهة نظر المقاومة التي أعلنت عن دفنها تحت ركام المباني المدمرة.
ثانيًا: تحقيق التهدئة من خلال قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، تسعى إلى صياغته كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا مدعومة من أمريكا، وسيكون هذا القرار بمثابة خشبة الخلاص للإسرائيليين، ولا سيما إذا وافق هواهم السياسي الذي يشترط أن يتم إعمار غزة عن طريق السلطة الفلسطينية، وأن يكون مقترنًا بنزع سلاح المقاومة.
وهذا القرار لو صدر عن مجلس الأمن فإنه سيلبي رغبة المتطرفين الرافضين لفكرة الجلوس مع حماس، والتفاهم معها، ويأتي استجابة لاستحثاث بعض الأوساط الإسرائيلية التي تمثلهم وزيرة القضاء الإسرائيلي، زعيمة حزب (هاتنوعا) تسيبي ليفني، وهي التي سعت طويلا إلى تسويق هذه الفكرة.
وفي تقدير الكاتب أن هذا القرار لن يكون ملزمًا للمقاومة الفلسطينية ما لم يتضمن بندين ضروريين وقف العدوان الإسرائيلي، ومن ثم فكّ الحصار بمعناه الشامل عن غزة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967.
ووفق الكاتب، فإن هذين الشرطين الفلسطينيين لا يتوافقان مع مساعي الكيان الذي سيرفض كل قرار صادر عن مجلس الأمن يدعو إلى فك الحصار، ولا يربط بين تعمير غزة ونزع سلاحها.
ثالثًا، تحقيق التهدئة من خلال وساطة عربية إقليمية دولية، تستجيب لشروط المقاومة في فك الحصار، وتأخذ بعين الاعتبار حاجات الشعب الفلسطيني السياسية والإنسانية، وفي الوقت نفسه تستجيب لمطالب الكيان الأمنية لعدد من السنين القادمة.
وأوضح أبو شمالة أنه بناءً على ما سبق يمكن الاستنتاج أن مستقبل قطاع غزة محكوم بما ستسفر عنه التطورات في الأيام القادمة، وفي تقديره أن المقاومة التي أثبتت قدرتها الميدانية، قادرة أيضًا على فرض شروطها السياسية التي ستؤثر على المشهد الفلسطيني، ولا سيما إذا أخذت بعين الاعتبار الأمور التالية:
1ـ إذا تحققت التهدئة عن طريق المبادرة المصرية التي تعطي للسلطة الحق في الإشراف على المعابر، وفي التواجد على حدود 1948 مع الكيان، وتعطي السلطة الحق في مراقبة الصادر والوارد، وفي الإشراف على تعمير ما دمره العدوان على غزة، ففي هذه الحالة ستظهر على السطح قوتان سياسيتان.
والقوتان بحسب أبو شمالة- هما قوة المقاومة المدعومة من كافة أطياف الشعب الفلسطيني، وقوة السلطة التي تحظى بالدعم الدولي، هذه الثنائية سيتواصل معهما الشد والجذب داخل الساحة الفلسطينية، إنها ثنائية الرؤية السياسية التي يحاول أحد طرفيها شدّ الضفة إلى طريق غزة المقاوم، ويحاول طرفها الثاني جذب غزة إلى طريق الضفة.
2ـ إذا تحققت التهدئة عن طريق قرار صادر عن مجلس الأمن، فمعنى ذلك أن إدخال مواد البناء سيكون خاضعًا لرقابة دولية، وهذا لا يعني تعزيز مكانة السلطة في غزة، وإنما يعني تشريع الباب لمزيد من المفاوضات التي ستؤثر سلبًا على ما حققته المقاومة من إنجاز.
وهنا سيكون الحديث عن إعادة تشغيل المطار وإنشاء ميناء غزة، قرين نتائج المفاوضات التي ستجريها السلطة مع الكيان في فترات لاحقة.
3ـ إذا تحققت التهدئة عن طريق وساطة عربية وإقليمية ودولية، يتم من خلالها الاعتراف بالواقع الميداني الجديد، وتأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني، فمعنى ذلك أن الكيان قد يحظى بالأمن الذي يفتش عنه الإسرائيليون لعدد من السنين.
وفي المقابل قد يحظى الفلسطينيون في غزة بحقهم في تطوير كل مناحي حياتهم بعيدًا عن الحصار الإسرائيلي، وسيمهد اتفاق التهدئة هذا إلى عودة الترابط بين الضفة وغزة، وسيسمح للسلطة بممارسة دورها الوظيفي في غزة، دون التضييق على أنشطة المقاومة.
توصيات
وأوصى أبو شمالة المقاومة الفلسطينية الحذر من الوقوع في مصيدة التهدئة مقابل التهدئة، مع ضرورة مواصلة الاستنزاف المربك لحياة الاحتلال الإسرائيلي إلى حين التوصل إلى تهدئة مشروطة، وعدم السماح لأي طرف بالحديث عن نزع سلاح المقاومة مهما كلف الثمن.
كما أوصى بالتنبه إلى ضرورة فكّ الحصار بشكل كامل عن قطاع غزة، وعدم الاكتفاء بفتح المعابر، ولا بأس أن تتحمل السلطة مسؤوليتها عن حياة الناس في القطاع، وأن تشرف على كل المعابر والحدود، ولكن ضمن الشراكة الفلسطينية الكاملة لكافة قوى المقاومة.
وأكد أنه من الأهمية أن يحرص رجال المقاومة على التواجد في لجنة تعمير غزة، والتشبث بهذا الطلب مهما كلف الثمن، فرجال المقاومة هم الضامن الوحيد للشفافية والنقاء وسلامة الأداء.
وشدد على ضرورة التذكير الدائم بأن الاحتلال هو السبب المباشر للحرب، ومن الأهمية أن يُدرك المجتمع الدولي أن أصل الصراع مع العدو يرجع إلى سنة 1948، التي قامت فيها "دولة إسرائيل" على حساب ملايين اللاجئين في غزة والضفة والشتات، مع التركيز على أن نحو 70 % من سكان القطاع هم لاجئون.
وقال "من الضروري التأكيد في أيّ اتفاق على الترابط بين غزة والضفة، بما في ذلك التبادل التجاري، وإطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة"، والتأكيد على أن اتفاقية أوسلو قد دفنتها الصواريخ الفلسطينية تحت الأنقاض، فأوسلو التي تشترط مراقبة الإسرائيليين للبنادق الفلسطينية قد انتهت مع وجود السلاح المقاوم.
ودعا إلى عقد مؤتمر وطني عام، يضم الشخصيات الوطنية والفصائلية السياسية، وكل الفاعليات الميدانية والتجمعات الشعبية في قطاع غزة والضفة والشتات، بهدف التوافق على موقف سياسي فلسطيني موحد يتناسب ومرحلة الانتصار، وإعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وانتخابات قيادة تمثل بشكل صحيح، وتعبر عن طموحاته وتطلعاته السياسية.-(صفا)

التعليق