قنابل نووية جديدة طليقة

تم نشره في الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً
  • مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي - (أرشيفية)

بينيت رامبيرج*

لوس أنجلوس- لا أحد يستطيع أن ينكر المخاطر المتأصلة في امتلاك أصول نووية. ولكن هذه المخاطر تصبح أكثر حدة في مناطق القتال؛ حيث تصبح المواد والأسلحة النووية عُرضة لخطر السرقة، وحيث يمكن أن تتحول المفاعلات النووية إلى أهداف للقصف. والواقع أن هذه المخاطر -الأكثر وضوحاً في منطقة الشرق الأوسط التي تعمها الفوضى اليوم- تثير تساؤلات مقلقة حول أمن الأصول النووية في البلدان المضطربة في مختلف أنحاء العالم.
تُظهِر بعض الأحداث الأخيرة ما هو على المحك الآن. ففي التاسع من تموز (يوليو)، وضعت الجماعة المسلحة المعروفة الآن باسم "الدولة الإسلامية" يدها على أربعين كيلوغراماً (88 رطلاً) من مُرَكَّبات اليورانيوم الموجودة في جامعة الموصل في العراق. ولم يكن ذلك اليورانيوم من الفئة المستخدمة في تصنيع الأسلحة؛ فقد أزال المفتشون الدوليون كل المواد الحساسة من العراق في أعقاب حرب الخليج في العام 1991، (ولهذا السبب كانت مثل هذه المواد غائبة عندما غزت الولايات المتحدة العراق في العام 2003). ولكن، ما هي الاستجابة الدولية التي كنا لنشهدها، إن كانت هناك أي استجابة، لو كانت هذه الكمية من اليورانيوم عالية التخصيب؟
في اليوم نفسه، أطلقت حماس ثلاثة صواريخ قوية إيرانية التصميم من غزة على مفاعل ديمونة في إسرائيل. ومن حسن الحظ، أخطأ صاروخان الهدف وتمكنت إسرائيل من اعتراض الثالث. ولكن هذا الحدث يشكل تصعيداً خطيراً للأعمال الحربية، ويُذَكرنا بهشاشة المفاعلات النووية ومدى تعرضها للخطر في مناطق الحرب.
كانت حماس قد بذلت محاولات مماثلة لمهاجمة مجمع ديمونة النووي في العام 2012، كما فعل العراق ذلك في العام 1991، بهدف إطلاق محتويات الموقع وإلحاق الضرر الإشعاعي بسكان إسرائيل. (ويبدو أن الجناة يجهلون حقيقة أن ظروفاً جوية معينة كانت ستعمل على تركيز الغبار المشع في الضفة الغربية ذات الأغلبية الفلسطينية).
بطبيعة الحال، من المحتمل أن تكون مثل هذه الأحداث مجرد شذوذ. ذلك أن الصراع الوحيد الذي فقدت فيه السلطات السيطرة على مواد نووية حساسة حتى الآن كان حرب جورجيا-أبخازيا في تسعينيات القرن العشرين، عندما استولت قوى مجهولة على كمية صغيرة من اليورانيوم العالي التخصيب من أحد المعاهد البحثية.
على نحو مماثل، ورغم وقوع هجمات عديدة على مفاعلات نووية تحت الإنشاء، كان التهديد الوحيد لمحطة نووية عاملة في منطقة حرب خارج إسرائيل في بداية القتال في يوغوسلافيا السابقة، عندما فكر القوميون الصرب في الهجوم على محطة كرسكو لتوليد الطاقة في سلوفينيا فأرسلوا طائرات حربية فوق الموقع. وقد سارع مشغلو المحطة إلى إيقاف توليد الكهرباء بشكل مؤقت بهدف الحد من خطر إطلاق الإشعاع، ولكن التهديد لم يسفر عن شيء.
الواقع أنه كلما أصبحت الأصول النووية في وضع أقل أمناً -كما حدث أثناء انهيار الاتحاد السوفياتي، والثورة الثقافية في الصين، والعصيان المسلح في الجزائر (عندما وضعت مجموعة من الجنرالات المتقاعدين المتمردين أنظارها على جهاز نووي كانت فرنسا تختبره آنذاك في الصحراء الجزائرية)- فإنه لم يمسسها سوء في نهاية المطاف. وحتى في أوكرانيا اليوم، ورغم الصراع المدني المتصاعد، ظلت محطات الطاقة النووية الخمس عشرة العاملة في البلاد سالمة (ولو أن هذا قد يتغير بسهولة في ظل التدابير الدفاعية الجديدة التي اتخذها المسؤولون الأوكرانيون).
من المستحيل أن نعرف ما إذا كان هذا النمط الحميد قد يستمر. ولكن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تشير إلى وجود أسباب للقلق في بلدان أخرى مضطربة، وهي على وجه التحديد باكستان وكوريا الشمالية وإيران.
من المعروف أن باكستان تدير برنامجاً كبيراً للأسلحة النووية وتواجه تمرداً جهادياً توسعياً، والذي شن الناشطون فيه هجمات في وقت سابق على قواعد عسكرية يُظَن أنها تحتوي على أصول نووية. ورغم أن باكستان لم تشهد أي اختراق نووي، ورغم إصرار الحكومة على أن ضمانات الحماية ما تزال قوية، فإن النوبات الحادة المتكررة من العنف وعدم الاستقرار التي تصيب البلاد تثير تساؤلات جدية حول ما يمكن أن يحدث في المستقبل.
من جهة أخرى، ورغم أن ترسانة كوريا الشمالية النووية أصغر كثيراً، فإن الشكوك المتواصلة حول قدرة النظام على الاستمرار تجعل من هذه الترسانة مسألة مثيرة للقلق الشديد.
 ففي حالة انهيار النظام -وهو احتمال وارد- سوف يكون من الصعب منع تسريب أصول كوريا الشمالية النووية، أو حتى استخدام أسلحتها.
من جانبها، تبدو إيران مستقرة نسبياً، مقارنة بجيرانها على الأقل. ولكنها تواجه مستقبلاً سياسياً غير مؤكد أيضاً. وإذا ما نشأ صراع على السلطة هناك، فإن مفاعل بوشهر الضخم قد يستخدم كورقة للمساومة.
لتخفيف هذه المخاطر، يستطيع المجتمع الدولي أن يحافظ على سياسته التقليدية المتمثلة في التزام الهدوء على أمل أن تتمكن الحكومات من الحفاظ على سيطرتها على بنيتها النووية الأساسية. ولكن الولايات المتحدة لم تعد راضية عن نهجها المعتاد. فوفقاً لتقارير وسائل الإعلام، وضعت الولايات المتحدة استراتيجية لنشر قوات خاصة تتلخص مهمتها في تحييد ترسانة باكستان النووية في حال فقدت السلطات السيطرة عليها هناك. كما استكشفت بعض مؤسسات الفكر والرأي المتصلة بالحكومة احتمال نشر قوات قتالية أميركية لمعالجة المخاطر النووية في كوريا الشمالية في حال انهار النظام.
غير أن مثل هذه الخطط ليست مضمونة بأي حال -وخاصة في ضوء الصعوبات المرتبطة بالبحث عن الأصول النووية المخفية وحماية المفاعلات. وعلاوة على ذلك، فإن استعداد الرأي العام الأميركي للانخراط مرة أخرى في مغامرة عسكرية خطرة يظل أمراً مشكوكاً فيه في أفضل تقدير، وخاصة عندما يكون تعزيز الأمن الوطني كافياً لتجنب المخاطر.
بدلاً من انتظار حدوث تطور كبير قبل أن تضطر إلى العمل المتعجل، يتعين على القوى العالمية الكبرى أن تنخرط في حوار شامل لتحديد أفضل نهج ممكن لمعالجة المخاطر النووية في البلدان المضطربة، وأن تسعى إلى إيجاد سبل للتعاون الوثيق كلما لزم الأمر. وفي نهاية المطاف، فإنه حتى القوى المتنافسة، مثل الصين والولايات المتحدة أو الهند وباكستان، تشترك في مصلحة واضحة تتمثل في منع الأسلحة الأشد خطورة على الإطلاق من الوقوع تحت سيطرة أشد العقول تطرفاً وتعصباً في العالم.

*محلل السياسات في مكتب وزارة الخارجية للشؤون السياسية العسكرية في عهد الرئيس جورج بوش الأب، ومؤلف كتابي "تدمير منشآت الطاقة النووية في الحرب"، و"محطات الطاقة النووية كأسلحة للعدو".
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2014.

التعليق