"لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم"

تم نشره في الخميس 28 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي*

روايات بأكثر من صيغة صحيحة، وردت عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، في ديمومة وجود من يدافع عن هذا الدين؛ ينفح عنه، ويعلي شأنه، ويمد الأمة بالأمل. فهذه الأمة حية معطاءة، لا يمكن أن تموت؛ قد تمرض، وقد تنام نوما عميقا، كما قد تتعرض لعملية تخدير، وقد يصرعها عدوها ويوثقها وثاقا محكما شديدا، لكن نبض الحياة باق، والقدرة على النهوض موجودة، والوعد بأنها أمة منصورة ظاهرة على الأمم كلها مؤكَّد. فما ذكره الله عن هذا الدين وانتصاره وظهوره وعزته، ينطبق بالضرورة على أمة هذا الدين.
ورد في الروايات ذكر الطائفة، والعصابة؛ وأنى كان، فهي فئة. والأصل أن تكون الأمة كلها هكذا، متصدرة لمسؤولياتها. ولكن الواقع غير ذلك، في أوقات تدور فيها الدائرة، ويداول الله فيها الأيام، نتيجة لضعف عام يصيب الأمة. ومظاهر هذا الضعف كثيرة، منها ضعف الدين والولاء له والانتماء إليه، والطامة الكبرى في أن يوالي بعضٌ منا أعداءَ هذه الأمة، وقد حدث هذا قديما وما يزال.
فالحديث يبشر بوجود فئة متمسكة بالحق، ظاهرة في منهجها، واضحة في أفكارها، ماضية في طريقها، لا يضرها فريقان: الأول المخالف، ووجود هؤلاء في الغالب أمر طبيعي، فلا يمكن أن يكون الناس على رأي واحد. ولكن الحديث يخبر عن الخلاف المذموم، أو أن يكثر أهل هذا الرأي الضعيف. فالأمة العاقلة الحكيمة حين تشتد عليها الأمور، ينبغي أن تتوحد وتنسى خلافاتها، إذ إن العدوّ يوحدها. ولكن أن تصل إلى مرحلة من بقاء الخلاف والضياع، فهذا مستنكَر مستقبَح معلِمٌ ببعد كبير عن الجادة. ولعل هذا واقع أمتنا. فقد عملت فيها قوى الشر كثيرا، وهي نفسها ضعفت ووهنت ورضيت أن تكون تابعة مهمَّشة مقسَّمة. فهذا الخلاف للفئة المؤمنة الصابرة المجاهدة لا يضرها؛ فنداء الله أعظم عندها من نداءات كثيرة، واعتصامها بالله، وولاؤها له، وثقتها به، وتوكلها عليه، وغايتها أولا وآخرا هي مرضاته سبحانه.
الفريق الآخر هو الخاذل لهم. فقد يكون المنتمون لهذا الفريق مؤمنين، ولكن مستوى إيمانهم متدن ضعيف، أو هم مرضى قلوب. فهؤلاء مثبطون معوّقون مخذّلون. ولعل الحديث يشير أيضا إلى ما هو أعمق من مجرد الضعف، فالأصل في الضعيف أن يحترم القوي ويدعو له، ويتمنى أن يكون مثله. أما أن يكون بوصف المخذِّل، فهذه وظيفة خسيسة ناتجة عن نفسية دنيئة. وهؤلاء يملكون منابر وأقلاما يمارسون من خلالها دورهم الغثائي المعيق المثبط. والمصيبة والطامة حين يتحدث هؤلاء بلغة النصح والعقل والحكمة، بأن يظهِروا حرصهم على هذه الفئة، وأنهم معهم ويريدون الخير لهم؛ لكن لا منهجهم حق ولا مبدؤهم حق ولا طريقهم حق، فأنّى لهؤلاء أن يُسمَع لهم!
إن أمتنا اليوم على مفترق طرق؛ منهجها الرباني موجود محفوظ، ومخزونها الثقافي الحضاري موجود، وقدراتها السكانية والثروات الهائلة موجودة، ولكنها تعيش الانقسام وتشتت الولاء وضعف الانتماء للمنهج الحق، لا تأخذ من الدين إلا قشوره وظاهره، ولا تملك إرادة ولا قرارا. وحين سارت الأمة باتجاه نيل حريتها وبناء إرادتها، سارع منافقوها إلى الاحتيال والالتفاف على الصحوة والنهضة. وهي أمور لن تطول؛ فقد تنسمت الأمة، ولو للحظات، نسائم الحرية وعشقتها وانتصرت في بعض الأماكن، ولا بد هي مستمرة في شأنها هذا، فالطغاة يخشون من وعي شعوبهم، حين يتعرف الناس على سوءات أولئك الطغاة التي أسهمت بطريقة كاملة في استسلام الشعوب ورهنها لإرادات أعدائها.
بماذا نفسر هزيمة يهود على أيدي قوم عزل؟ هنا أسئلة كثيرة حول تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي.
نعلم ابتداء أن الاستعمار أسس لهم وساعدهم، ولكن ماذا بعد ذلك؟ وبغض النظر، فالمؤامرة على الأمة كبيرة؛ قوى عالمية، وسياسات ظالمة. وحين تحررت إرادة فئة، كان المستحيل، وتحقق النصر، وفرضت المقاومة إرادتها وشروطها.
ولكن تبقى إشكاليات المنافقين من هذه الأمة، حين لعبوا وما يزالون يلعبون دور إسكات الحق وإجهاضه.
ويبقى الصراع بين الحق والباطل مستمرا، فهي سنة المدافعة، وعلى المؤمن أن يختار أين يسير، وإيمانه يحتم عليه أن يسير في اتجاه واحد فقط، هو مرضاة الله تعالى. فميزة الحق أنه رغم قلة أنصاره، إلا أنه واضح أبلج. ومهما حاولت الأكثرية نزع الشرعية عنه، يبقى واضحا جليا أبلجا. وعزاء المؤمن في مسيره أن يتذكر أن أهل الحق عبر الزمن قلة، وهذه القلة منصورة، فقد قال ربنا وقوله الحق: "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ" (البقرة، الآية 249).
على أهل الحق أن يدركوا أن غوغائية الباطل وأهله شديدة؛ فهم يخالفون المؤمنين الصابرين المجاهدين ويخذلونهم. ولكن توكل أهل الحق على الله وثقتهم به تجعلهم يستغنون عن كل ما سواه؛ فغناهم به، وأنعم بها من حالة نشوة واعتزاز تلك التي تربطهم بالله. وحين يستشعرون معيته سبحانه، فهم في ألق وفخر وعزة، يقرأون قوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت، الآية 69).
على المسلمين أن يتذكروا ويدركوا أن من أبسط حقوق الأخوة في الإسلام أن لا يخذل المسلمُ المسلمَ، خاصة في مواطن الشدة. فكما لا يجوز أن يظلمه أو يحقره أو يُسلمه، فلا يجوز أن يخذله، فكيف إذا كان منهج بعض الناس الخذلان المستمر للمنهج الحق وأهله!
إننا على مفترق طرق بعد أن تبين الرشد من الغي مجددا؛ بعد أن زالت الغمة وانقشع الضباب وانفلق الصبح. فالمعادلة العالمية واضحة، والأمور ما عادت تنطلي إلا على المغفلين الحمقى. وعلى الحكّام أن يسيروا في مصالحة شعوبهم ومصارحتهم في كيفية النجاة واستعادة الحقوق وسلوك درب العزة، فلا مكان بعد اليوم للضعيف أو للمتهاون في نيل حقه.

*أكاديمي أردني

التعليق