كلام للإعلام: أخرجونا من حدي "يا سلام" و"يا حرام"

تم نشره في الأربعاء 3 أيلول / سبتمبر 2014. 04:57 مـساءً

د. مهند العزة*

أن يتناول الإعلام قضايا الساعة في إطار من التشويق وربما الإثارة أحيانا، هو أمر مفهوم ومتبع في العديد من المدارس الإعلامية حول العالم. وأن يأتي، أحياناً، تحرير المادة الصحفية المتضمنة تصريحا أو لقاء مع شخصية معينة، مبتسراً أو يعتوره شيء من التحوير الذي قد تقتضيه سياسة التحرير للمؤسسة الإعلامية، رغم إخلاله بمضمون المادة المصرح بها، هو أيضاً أمر دارج ومفهوم. لكن ما هو مستغرب في أداء مؤسسات إعلامية لدينا ارتكاب بعض القائمين عليها أخطاءً مهنية قد تمس بمضمون الرسالة الإعلامية وبدقة محتواها، وقد تشكل انتهاكاً لحق الناس في الخصوصية واحترام كرامتهم المتأصلة، كما لقيم ثقافة التنوع والاختلاف.
لقد تناول العديد من وسائل الإعلام بعض الكتابات والتصريحات الخاصة بي بصفتي السياسية في الآونة الأخيرة، وهذا حق ثابت لها لا يجادل فيه أحد. لكن طريقة التناول في بعض تلك الوسائل اتسمت بشيء من النمطية، وإقحام ما ليس داخلاً في موضوع التغطية في صميمه؛ وأقصد هنا الإشارة المتكررة لإعاقتي البصرية في العديد من المواد المنشورة. إذ تجد بعضهم يقول: "العزة (وهو ضرير)..."؛ و"قال العين د. مهند العزة (وهو كفيف)..."؛ و"صرح د. العزة (ويذكر بأنه ضرير...)".. إلى آخر ذلك من التعبيرات والألفاظ التي لا تهم القارئ كثيراً، وليست ذات صلة أو ارتباط بموضوع النشر، هذا فضلاً عن كونها تخالف لغة عدم التمييز واحترام الهوية.
وتأصيل هذا التوجه القديم الجديد في الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة، مرجعه أن المجتمع بجملة أفراده لا يتوقع ممن لديه إعاقة أن يكون عنده من المؤهلات أو المهارات ما لدى الآخرين. والحقيقة أن هذا النهج الإعلامي غير السديد يضر بالرسالة الإعلامية التي تُنشر من أوجه عدة:
فمن ناحية أولى، سوف ينصرف ذهن القارئ عن التفكير في مضمون الرسالة الإعلامية، وما صرح أو أدلى به الشخص، إلى تأمل المخزون النمطي المستقر في ذهنه عن الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فإما أن يستغرب كيف لمثل هذا الشخص أن تكون لديه "القدرة" على شغل منصب معين والتصريح بشأن عام، أو أنه إن لم يعجبه التصريح أو ناقض رأيه، فسوف يعزو ذلك لإعاقة الشخص، كأن يقول: "رأي خاطئ، وهذا متوقع من مثله مسكين".
من ناحية ثانية، سوف يتسبب هذا النهج في استقطاب تعليقات وآراء تمييزية على المادة الإعلامية ضد الشخص، كما حدث معي مرات عدة. إذ سيبدأ المعلقون الذين لم تعجبهم أقوال الشخص بتناول إعاقته وكيل السباب له على أساسها. ومن ذلك ما سطره العديد من القراء في مناسبات عدة، إذ قال بعضهم: "أعمى البصر والبصيرة..."؛ "فعلاً يستحق أن يولد أعمى..."؛ الحمد لله أنك أعمى وإلا لفعلت كذا وكذا...".
من ناحية أخيرة، فإن تركيز الإعلام على أمر شخصي مثل الإعاقة، في موضع يتعلق بالسياسة أو الاقتصاد أو القانون، يعد مؤشراً على عدم ثقة الناشر بجاذبية مادته، فأراد إضافة عامل جذب آخر إليها وهو الإعاقة، وإلا لما فعل.
والواقع أنني، وبصفتي ممن يدربون على حقوق الإنسان وثقافة التنوع، وممن يعايشون الإعاقة، وعلى الصعيد الشخصي لم أشعر بإهانة أو مهانة، ولكني شعرت بحزن وأسى شديدين على كل ما بُذل من جهود طوال السنوات الثماني الماضية من ورش عمل وتوعية وأدلة إرشادية وغيرها، استهدفت فئات عديدة، من بينها الزملاء والأصدقاء الإعلاميون؛ إذ ظهر أن ما بُذِل لم يؤتِ ثماره إلا مع قلة قليلة لها كل التقدير.
إنني ممن يعتقدون جازمين أن التغيير في الأفكار والقوالب النمطية هو أمر عسير المنال، ويتطلب سنوات لكي تبدأ آثاره بالظهور. لكن كان الأمل يحدوني أن تكون أولى إشارات التغيير منعكسة في مجال الإعلام تحديدا. لقد كانت إذاعة "بي. بي. سي" العربية، ومنذ سنوات، حينما تذيع خبراً متعلقاً بوزارة الداخلية البريطانية تقول: "هذا وصرح وزير الداخلية البريطاني ديفد بلانكت وهو ضرير". ثم امتنعت الإذاعة تماماً عن هذا النهج، بعد مطالبة من الناشطين الحقوقيين. والعجيب أن كثيرا منا يغفل عن حقيقة أن العديد من الأشخاص الذين تولوا مناصب وعلموا الدنيا بأسرها، هم من الأشخاص ذوي الإعاقة. ومع ذلك، فقد كان أسلافنا أكثر فهماً وحساسيةً لحقوق الإنسان وقيم التنوع، فلم يقرنوا إعاقاتهم بما رووه عنهم. فالإمام الترمذي مثلاً، كانت لديه إعاقة بصرية. وتجد هذا في سيرته الذاتية، ولا تجده في ما رواه عنه غيره من أحاديث؛ فلم يقل أحد مثلا "رواه الترمذي وهو كفيف...". ومن يستغربون ويندهشون من تولي الأشخاص ذوي الإعاقة مناصب سياسية أو اقتصادية أو إدارية، واضح أنهم -مع كامل الاحترام- لم يقرأوا التاريخ فقط، بل والحاضر أيضا. فكم منا يعلم أن وزير داخلية بريطانيا في حكومة توني بلير كان كفيفاً كما ذكرنا؟ وكم منا يعلم أن الرئيس الأميركي فرانك روزفيلت كانت لديه إعاقة حركية في قدمه؟ وكم منا يعلم أن إحدى عضوات البرلمان في بلجيكا كانت من الصم؟ بل كم منا يعلم أن عبدالله -أو عمرو في رواية أخرى- بن أم مكتوم، وهو الضرير، كان يحكم المدينة ويدير شؤونها بأمر من الرسول عليه السلام، حين كان صلى الله عليه وسلم يخرج للجهاد، أي إن ابن أم مكتوم كان يعد نائباً لرئيس الدولة الناشئة؟ وأكثر من ذلك، فإن ابن أم مكتوم توفي وهو يقاتل في معركة القادسية، بعد أن تنازل عن رخصة الإعفاء من الخدمة العسكرية وخرج مع الجيش ليحمل الراية، فاستشهد في المعركة جنبا إلى جنب مع غيره من المقاتلين من غير ذوي الإعاقة!
إن المطلوب مجرد وقفة مع النفس ومراجعة طريقتنا ومنهجنا في التفكير والتعاطي مع الأمور، فإذا كنا في مقام خبرات اقتصادية أو قانونية أو فنية، فالعبرة بما يمثله الشخص من خبرة، وليس بما لديه من إعاقة؛ فهل يقبل البعض مثلا أن نقول: "وصرح الوزير الفلاني الطويل أو الأسمر أو المسيحي...". إن جمال الكون في تنوعه، والتنوع ليس قرينة الضعف بل هو طبيعة الأشياء وناموسها.
كلمة أخيرة للإعلاميين الأكارم، ولكل مسؤول في هذا البلد: الأشخاص ذوو الإعاقة لا يتحدون إعاقتهم، بل ما يكتنف حياتهم من عوائق لم يبذل الجميع جهده في إزالتها، وشتان ما بين الأمرين إن كنتم تعلمون.
ولا أجد قولاً في التعبير عن النظرة السلبية النمطية المستقرة في ذهن المجتمع عنّا نحن الأشخاص ذوي الإعاقة، حتى في سياق ما يشبه المديح؛ أكثر تعبيرا مما جاء على لسان أحد القراء في تعليقه على خبر يتعلق بصفتي السياسية، حيث أنشد على أحد المواقع الاخبارية يقول:
"ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ضرير قد رأى ما لم يرَ المبصرينا
ألا يدافع عن بلادي سوى العاجزينا".
فهذا الكلام يتحسر قائله على أن ما يعتقد هو أنه صواب قد جاء من شخص يصفه بأنه "ضرير" و"عاجز"!
لو كانت الإعاقة نقصاً، لما اختار الله لأول كتبه نبياً لديه إعاقة نطقية، وهو موسى عليه السلام؛ بل إن عبقرية الاختيار جاءت من أن الله جعله كليمه مع أن إعاقته في الكلام والنطق، ألم تقرأ قوله تعالى: "واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي"؟!
الإعلام بحاجة فعلية للتدرب على ثقافة حقوق الإنسان والتنوع؛ ليس على مستوى الأفراد العاملين فقط، بل على صعيد سياسة التحرير. والمحزن أن قناة الجزيرة الفضائية قد تبنت رسمياً، كما نقل لي أحد العاملين فيها، وثيقة "قل ولا تقل في مجال الإعلام"، وهي وثيقة قمنا بإعدادها وتوزيعها فتلقفتها القناة مشكورةً جدا، وعممتها على مختلف مكاتبها حول العالم بصفتها جزءا من سياستها التحريرية. والوثيقة متاحة على المواقع المختلفة ويمكنني تزويد من يشاء بها.
لسنا أبطالا خارقين، ولا ثلة مستضعفين؛ بل نحن، في خضم موروث اجتماعي ظالم، مقاومون.

*عضو مجلس الأعيان الأردني

التعليق