أم قيس: سحر المكان في مدينة الفلاسفة والحكماء

تم نشره في الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • موقع أم قيس الأثري - (أرشيفية)

 

رجاء‭ ‬سيف

عمان‭-  ‬يقف‭ ‬الزائر‭ ‬أمام‭ ‬مدينة‭ ‬أم‭ ‬قيس‭ ‬الأثرية،‭ ‬شمالي‭ ‬الأردن،‭ ‬ليمتع‭ ‬ناظريه‭ ‬بتراثها‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬تعاقب‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الزمان‭ ‬وترك‭ ‬سحرا‭ ‬جميلا‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬حيث‭ ‬يعد‭ ‬موقع‭ ‬أم‭ ‬قيس‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ألمع‭ ‬المدن‭ ‬الإغريقية‭ ‬الرومانية‭ ‬العشر‭ ‬القديمة‭ (‬الديكابوليس‭).‬

فبحسب‭ ‬مديرية‭ ‬سياحة‭ ‬اربد،‭ ‬فان‭ ‬ام‭ ‬قيس‭ ‬تعتبر‭ ‬مركزا‭ ‬ثقافيا‭ ‬مرموقا‭ ‬رعى‭ ‬في‭ ‬رحابه‭ ‬أرفع‭ ‬الخطباء‭ ‬والشعراء‭ ‬والفلاسفة‭ ‬لتلك‭ ‬الحقبة‭.  ‬

فالمكان‭ ‬يتمتع‭ ‬أيضا‭ ‬بوضع‭ ‬ممّيز‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإستراتيجية،‭ ‬فقد‭ ‬أسس‭ ‬الموقع‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ملوك‭ ‬البطالسة‭ ‬الإغريق‭ ‬على‭ ‬نتوء‭ ‬جبلي‭ ‬يرتفع‭ ‬378‭ ‬متراً‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬البحر،‭ ‬وتحول‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬الإسكندر‭ ‬الكبير‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬عسكري‭ ‬يشكل‭ ‬الجبهة‭ ‬الشمالية‭.‬

وكانت‭ ‬مدينة‭ "‬ام‭ ‬قيس‭" ‬تُدعى‭ ‬آنذاك‭ ‬بـ‭"‬جدارا‭"‬؛‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬ملتقى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الطرق‭ ‬التجارية‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬ربطت‭ ‬بين‭ ‬سورية‭ ‬وفلسطين،‭ ‬فالكتاب‭ ‬القدماء‭ ‬كانوا‭ ‬يسمونها‭ ‬القلعة‭ ‬الحصينة‭.‬

تمتد‭ ‬التلال‭ ‬الضيقة‭ ‬للموقع‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬عليها‭ ‬الآثار‭ ‬شرقاً‭ ‬باتجاه‭ ‬نهر‭ ‬الأردن‭ ‬مع‭ ‬الممرّ‭ ‬العميق‭ ‬لوادي‭ ‬اليرموك،‭ ‬وتنحدر‭ ‬سلسلة‭ ‬التلال‭ ‬هذه‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬الشرق،‭ ‬لكنها‭ ‬تبدو‭ ‬شديدة‭ ‬الانحدار‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخرى؛‭ ‬حيث‭ ‬تمنح‭ "‬جدارا‭" ‬وضعاً‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬القوة‭ ‬والأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

وكانت‭ ‬تعد‭ ‬أم‭ ‬قيس‭ ‬نقطة‭ ‬جذب‭ ‬للمفكرين‭ ‬والاستراتيجيين‭ ‬والباحثين‭ ‬عن‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بأوقاتهم‭ ‬كذلك‭.‬

أما‭ ‬هواة‭ ‬الترويح‭ ‬من‭ ‬الرومان‭ ‬فشكلت‭ ‬لديهم‭ ‬خياراً‭ ‬رائعاً‭ ‬للاستجمام؛‭ ‬حيث‭ ‬كانوا‭ ‬ينتقلون‭ ‬منها‭ ‬بيسر‭ ‬إلى‭ ‬ينابيع‭ ‬حمّة‭ ‬جادر‭ ‬للاستمتاع‭ ‬بدفء‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس،‭ ‬ولقد‭ ‬حظيت‭ ‬المدينة‭ ‬بتربة‭ ‬خصبة‭ ‬ووفرة‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار‭ ‬التي‭ ‬أنتجت‭ ‬خضرة‭ ‬ربيعية‭ ‬تروق‭ ‬للنظر‭ ‬وتنعش‭ ‬الأرواح‭.‬

ومن‭ ‬موقع‭ ‬أم‭ ‬قيس‭ ‬يستطيع‭ ‬الزائر‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬للمملكة‭ ‬ليشاهدها‭ ‬وهي‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬هضبة‭ ‬مشرفة‭ ‬على‭ ‬الغور‭ ‬الشمالي،‭ ‬ويحدها‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬ونهر‭ ‬اليرموك‭ ‬ومن‭ ‬الغرب‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬ومن‭ ‬الجنوب‭ ‬وادي‭ ‬العرب‭ ‬ومن‭ ‬الشرق‭ ‬بحيرة‭ ‬طبريا‭.‬

ويشار‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬تاريخ‭ ‬موقع‭ ‬أم‭ ‬قيس،‭ ‬الأثري‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬الاصول‭ ‬اليونانية‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬الحلف‭ ‬الروماني‭ ‬العشر‭ (‬الديكابولس‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تميزت‭ ‬بانها‭ ‬مدينة‭ ‬الحكماء‭ ‬والفلاسفة‭ ‬واشتهرت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭.‬

ويقول‭ ‬مدير‭ ‬دائرة‭ ‬سياحة‭ ‬مدينة‭ ‬اربد‭ ‬بسام‭ ‬توبات‭ ‬لـ‭"‬الغد‭"‬،‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬السياحة‭ ‬والآثار‭ ‬الاردنية‭ ‬نفذت‭ ‬عدت‭ ‬مشاريع‭ ‬سياحية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬منها‭ ‬انشاء‭ ‬مواقف‭ ‬للحافلات‭ ‬وسيارات‭ ‬زوار‭ ‬الموقع‭ ‬الأثري،‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬استراحة‭ ‬سياحية،‭ ‬واقامت‭ ‬وحدات‭ ‬صحية‭ ‬لخدمة‭ ‬زوار‭ ‬الموقع‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬الحافلات‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬16‭ ‬وحدة‭ ‬صحية‭ ‬للرجال‭ ‬والنساء‭ ‬تشغل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مركز‭ ‬زوار‭ ‬أم‭ ‬قيس‭.‬

ولفت‭ ‬التوبات‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الوزارة‭ ‬قامت‭ ‬بترميم‭ ‬حوش‭ ‬المضافة‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬التراثية‭ ‬والمضافة‭ ‬العربية‭ ‬وشكلت‭ ‬لتكون‭ ‬مركزا‭ ‬لاصحاب‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية‭ ‬من‭ ‬ابناء‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي،‭ ‬ومكاتب‭ ‬للشرطة‭ ‬السياحية‭ ‬داخل‭ ‬الموقع‭ ‬الأثري،‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬إنشاء‭ ‬مسارات‭ ‬جديدة‭ ‬للموقع‭ ‬الأثري‭ ‬لضم‭ ‬القرية‭ ‬التراثية‭ ‬والمراكز‭ ‬الحرفية‭ ‬مع‭ ‬الموقع‭ ‬الأثري‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الجمعية‭ ‬الملكية‭ ‬لحماية‭ ‬الطبيعة‭ ‬الاردنية‭.‬

ويقع‭ ‬في‭ ‬ام‭ ‬قيس‭ ‬متحف‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الروسان‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬اربد،‭ ‬وكان‭ ‬يستعمل‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬كمنزل‭ ‬للحاكم‭ ‬العثماني،‭ ‬ويعرض‭ ‬هذا‭ ‬المتحف‭ ‬قطعا‭ ‬أثرية‭ ‬من‭ ‬تماثيل‭ ‬وفسيفساء‭ ‬وعملات‭ ‬معدنية،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭.‬

وما‭ ‬تزال‭ ‬أم‭ ‬قيس‭ ‬تتألق‭ ‬بجاذبيتها،‭ ‬فهناك‭ ‬قسم‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المسرح‭ ‬الروماني‭ ‬الغربي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬قائماً‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭  ‬رغم‭ ‬الاضطرابات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهنالك‭ ‬ايضا‭ ‬الممرات‭ ‬المقنطرة‭ ‬المبنية‭ ‬من‭ ‬حجر‭ ‬البازلت‭ ‬القاسي‭ ‬وصفوف‭ ‬المقاعد‭ ‬تقف‭ ‬كشواهد‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭.‬

ويوجد‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬صف‭ ‬من‭ ‬المقاعد‭ ‬المحفورة‭ ‬للشخصيات‭ ‬المهمة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الأوركسترا،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬تمثال‭ ‬رخامي‭ ‬كبير‭ ‬لا‭ ‬رأس‭ ‬له،‭ ‬وهو‭ ‬معروض‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬المحلي‭. ‬

وفي‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬للمسرح،‭ ‬يقع‭ ‬الشارع‭ ‬المبلط‭ ‬والذي‭ ‬يرجح‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬المركز‭ ‬التجاري‭ ‬للمدينة،‭ ‬وبالقرب‭ ‬من‭ ‬مسرح‭ ‬البازلت‭ ‬الأسود‭ ‬توجد‭ ‬الشرفة‭ ‬وفيها‭ ‬الساحة‭ ‬والكنيسة‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وفي‭ ‬غربي‭ ‬الشرفة‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬الشارع‭ ‬الشرقي‭ ‬الغربي‭ ‬ترى‭ ‬مجمع‭ ‬حمامات‭ ‬ونصبا‭ ‬تذكاريا‭ ‬رومانيا،‭ ‬وعلى‭ ‬بعد‭ ‬عدة‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬الأمتار،‭ ‬يستطيع‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يشاهد‭ ‬بقايا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأزمان‭ ‬ميداناً‭ ‬لسباق‭ ‬الخيل‭.‬

وهناك‭ ‬مسرحان‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬المسرح‭ ‬الشمالي‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المسارح،‭ ‬ويمكن‭ ‬مشاهدته‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬التلة‭ ‬بجانب‭ ‬المتحف،‭ ‬اضافة‭ ‬الى‭ ‬المسرح‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬حوفظ‭ ‬عليه‭ ‬بعناية‭ ‬فائقة‭ ‬ليكون‭ ‬المشهد‭ ‬المميز‭ ‬في‭ ‬ام‭ ‬قيس‭.‬

ويمكن‭ ‬مشاهدة‭ ‬آثار‭ ‬مجمع‭ ‬الحمامات‭ ‬الرومانية‭ ‬بالاتجاه‭ ‬شرقاً‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬ترابية‭ ‬صغيرة‭ ‬تبعد‭ ‬حوالي‭ ‬100‭ ‬متر‭ ‬من‭ ‬تقاطع‭ ‬الشوارع‭ ‬المبلطة،‭ ‬والذي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الميلادي‭ ‬وتستطيع‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬الأجزاء‭ ‬السفلية‭ ‬للحمامات‭ ‬بسلوك‭ ‬طريق‭ ‬ترابية‭ ‬مقابلة‭ ‬للمسرح‭ ‬الغربي‭ ‬وهي‭ ‬حمامات‭ ‬رومانية‭ ‬تقليدية‭.‬

 

وبحسب‭ ‬آخر‭ ‬الاحصاءات‭ ‬لوزراة‭ ‬السياحة‭ ‬والاثار‭ ‬فان‭ ‬عدد‭ ‬الزوار‭ ‬الاجانب‭ ‬لـ‭"‬ام‭ ‬قيس‭" ‬بلغ‭ ‬36‭.‬368‭ ‬ألف‭ ‬زائر‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬عدد‭ ‬الزوار‭ ‬الاردنيين‭ ‬195.125‭ ‬ألف‭ ‬زائر‭ ‬لنهاية‭ ‬العام‭ ‬2013،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انخفضت‭ ‬نسبة‭ ‬نسبة‭ ‬عدد‭ ‬زوار‭ ‬ام‭ ‬قيس‭ ‬الاجانب‭ ‬بنسبة‭ ‬3‭.‬2‭ % ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬الزوار‭ ‬الاجانب‭ ‬37‭.‬567‭ ‬ألف‭ ‬زائر،‭ ‬وارتفع‭ ‬عدد‭ ‬الزوار‭ ‬الاردنيين‭ ‬ليصل‭ ‬الى‭ ‬162‭.‬825‭ ‬ألف‭ ‬زائر‭  ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬2012‭ ‬وبنسبة‭ ‬ارتفاع‭ ‬وصلت‭ ‬الى‭ ‬19‭.‬8‭ %. ‬

 

raja.saif@alghad.jo 

 

@rajaa–saif

التعليق