خطة واشنطن لإذكاء نار التطرف

تم نشره في الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • عناصر من "الدولة الإسلامية" في تكريت العراقية - (أرشيفية)

نايل بويي* - (كاونتربنتش) 2/9/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

دفعت حالات التقدم العسكري السريع الذي حققته في الشهور الأخيرة مجموعة "الدولة الإسلامية"، ذلك التنظيم الجهادي الذي أعلن الخلافة في أراض تعود للعراق وسورية، دفعت مرة أخرى إلى معاودة الانخراط العسكري الأميركي في العراق. وقد وصف مسؤولو البنتاغون الدولة الإسلامية بأنها "منبئة بقيام الساعة" وأنها تشكل "تهديداً مباشراً".
بالإضافة إلى ذلك، أعادت واشنطن نشر نحو 800 جندي في العراق منذ حزيران (يونيو) الماضي، فيما نفذت إدارة أوباما منذئذٍ عشرات من الضربات الجوية دعماً لمقاتلي البشميرغا الأكراد والقوات العراقية الخاصة التي تقاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية، والتي كانت ذات مرة على خطوط المجابهة بين المقاومة المسلحة وبين الاحتلال العراقي.
ورغم التوجس السائد من الحرب والذي يبديه الجمهور الأميركي، فقد تعهد باراك أوباما بالتزام متجدد بانخراط عسكري طويل الأمد في العراق لمجابهة الدولة الإسلامية. وتشي ملاحظات لمسؤولي الإدارة بأن الولايات المتحدة تعد العدة لانخراط عسكري أوسع في المنطقة.
يُنظر إلى الأقليات الإثنية في شمالي العراق، مثل المسيحيين والتركمان والأيزيديين على أنهم كفار حسب رؤية المتشددين الجهاديين الذين يحرزون تقدماً مستمراً، والذين وضعوا هذه الأقليات تحت الحصار بسبب اجتياح مجموعة الدولة الإسلامية لأراضيهم التاريخية. وقد مهدت واشنطن لتدخلها في العراق بالقول إنها إنما تهب للدفاع عنهم.
وكانت آخر موجة من التدخل الأميركي في العراق قد أفرزت بعض المكاسب المتواضعة. فقد أوصلت بعض المساعدات الإنسانية للأقليات المكافحة؛ واستعاد مقاتلون أكراد وعراقيون بعض المناطق -مثل سد الموصل- بينما تفادت الدولة الإسلامية حالياً فكرة التقدم نحو المنطقة الكردية التي تتمتع بحكم ذاتي يحظى بالدعم الأميركي.
لكنه يتوقع على نطاق واسع أن توسع واشنطن من مدى عمليتها العسكرية ضد الدولة الإسلامية لتشمل الدخول إلى سورية؛ حيث دعمت إدارة أوباما الميليشيات التي تقاتل منذ العام 2011 من أجل إسقاط الرئيس بشار الأسد. وقد بدأ البنتاغون أصلاً بطلعات استطلاع فوق سورية، توطئة للقيام بتوجيه ضربات جوية محتملة. وكان وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، قد قال إن بلده سيكون راغباً في التعاون لقتال الدولة الإسلامية، لكن أي ضربة توجه في داخل الأراضي السورية من دون تنسيق مع دمشق ستعد عملاً عدوانياً واختراقاً لسيادة بلده.
وفي المقابل، ردت إدارة أوباما على دمشق بعد ذلك بالتأكيد أنها لا تتوافر على أي نية للتنسيق مع الحكومة السورية. كما أعلنت واشنطن أنها خططت لحشد الدعم لمجموعات الثوار "المعتدلين" الذين يقاتلون ضد قوات الأمن السورية.
يبرز ظهور وصعود مجموعة الدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات الجهادية، مثل جبهة النصرة، ذلك البعد المنذر الذي تمخضت عنه سلباً تلك السياسات التي تبنتها الدول الغربية والخليجية حيال سورية على نحو مشهود، مع كلف بشرية متصاعدة. وتعول الثورة ضد بشار الأسد -الذي قاد بلداً كان يعد في السابق من بين أكثر دول المنطقة أماناً وتسامحاً- تعول على نحو كبير على مقاتلين أجانب، ومساعدات مادية تأتي من الخارج. ومن المعروف أن الملكيات السنية، مثل العربية السعودية وقطر، قدمتا مئات الملايين من الدولارات للميليشيات الراديكالية التي تقاتل داخل سورية، في محاولة لدفع النفوذ الإقليمي لإيران الشيعية إلى الخلف بالإضافة إلى حليفيها الرئيسيين؛ الحكومة في دمشق وحزب الله، التنظيم شبه العسكري اللبناني. وتنخرط دول أخرى في المنطقة بشكل مشابه في تعزيز الميليشيات المعادية للأسد.
كانت الولايات المتحدة، وبموجب برامج سرية قادتها المخابرات المركزية الأميركية (السي. آي. إيه) قد قدمت أسلحة وتدريباً للمقاتلين الإسلاميين المنطوين على وجهات نظر معادية للغرب (رغم أن واشنطن تدعي جهاراً بأنها تدعم فقط من يسمون الثوار "المعتدلين") الذين انضم العديدون منهم راهناً إلى صفوف الدولة الإسلامية، وفقاً لعرض حديث نشر في صحيفة "الواشنطن بوست".
مع أن وجود برامج سرية قد تكشف على يد صحفيين استقصائيين وأقرت به إدارة أوباما، فإن تقرير الواشنطن بوست الذي يستشهد بشخصيات استخبارية أميركية وعربية رفيعة وأعضاء في الدولة الإسلامية، يظل من بين التقييمات الأكثر حسماً في السياسة الأميركية الخاصة في سورية، والتي تظهر في إعلام الاتجاه السائد الأميركي.
كما أن من المعروف أيضاً أن دولاً غربية وخليجية دربت متشددين وجهاديين للقتال من أجل جلب "الديمقراطية" في ليبيا حيث نجحوا في إسقاط معمر القذافي، وفي سورية وفق التقرير الذي يدعي أيضاً بأن العديد من المقاتلين الذين ينتمون الآن إلى "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة"، والذين كانوا قد تلقوا تدريباً على يد عسكريين فرنسيين وبريطانيين وأميركيين ومدربين في الاستخبارات.
لم تطل السياسة التي تنتهج في سورية -القائمة على استراتيجية "عدو عدوي صديقي"- بالضرورة الحرب الأهلية السورية وتكثيف الفظاعات المرتكبة بحق الإنسانية في المنطقة وحسب. إنها العامل الرئيسي الذي أذن بصعود تنظيم "الدولة الإسلامية" وأي تصعيد عسكري غربي محتمل من المنتظر أن يأتي.
تجدر الإشارة إلى أن الدولة الإسلامية تسيطر راهناً على منطقة أكبر في مساحتها من المملكة المتحدة، كما تسيطر على سبعة حقول نفطية ومصفاتين في شمالي العراق، وعلى ستة من أصل عشرة حقول نفط في شرقي سورية. ويعتقد بأنها تجمع أكثر من مليوني دولار يومياً كعوائد من الابتزاز والضرائب والتهريب ومبيعات النفط وعبر بيع النفط الخام بسعر يتراوح بين 25 و60 دولاراً للبرميل.
كما يعترف مسؤولون غربيون بأنه لم يسبق وأن عرف تنظيم إرهابي متطور ومنضبط وثري كمثل الدولة الإسلامية أبداً. ولعله سيكون خطأ استراتيجياً بالنسبة لإدارة أوباما أن تمضي قدماً في حملتها لتغيير النظام ضد حكومة بشار الأسد، الذي يمكن أن يثبت أنه حليف مفيد في القتال ضد المتشددين الجهاديين.
كانت البلدان الغربية قد رفضت نتائج الانتخابات الرئاسية السورية التي جرت في حزيران (يونيو)؛ حيث شارك نحو 73 في المائة من أصل 15.8 مليون مقترع مؤهل في التصويت الذي شهد الأسد وهو يخوض الانتخابات ضد متحديين اثنين له ليفوز بنسبة 88 في المائة. ويقود الأسد بوضوح دعم أغلبية الجمهور السوري، ولا تشكل حكومته تهديداً عسكرياً للولايات المتحدة.
تكمن أسوأ خطوة يقدم عليها الغرب في شن ضربات من دون تفويض في سورية، بينما يستمر في تزويد الأسلحة للمتشددين المعادين للأسد. وسيكون من شأن هذه الاستراتيجية أن تخدم تقويض قدرة المنطقة برمتها على مجابهة التهديد الجهادي، وفتح الباب لنشوب حرب أوسع إذا قررت الحكومة السورية الرد على الاستفزازات الأميركية.
إذا مضت إدارة أوباما قدما في ضرباتها الجوية في سورية من دون الإذن الصريح من جانب دمشق أو من دون موافقة من جانب الأمم المتحدة، فسيكون ذلك انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ويتضمن أي تدخل من دون موافقة الكونغرس أيضاً انتهاكاً للقانون الأميركي، ومن المحتمل أن يقود واشنطن إلى مستنقع عسكري مطول آخر.
يستند بناء الدولة الإسلامية على زيف إيديولوجي يخون قيم الدين الإسلامي ومآثر الحضارة الإسلامية التي شهدت نزعة متعددة الثقافات وتجديد علمي وتعلم وانتعاش ثقافي في فترة ما قبل الخلافة الحديثة. وعلى العكس من ذلك، فإن الخلافة المعادية للتاريخ والتي يستشرفها قائد الدولة الإسلامية، أبوبكر البغدادي، متجذرة في العنف والتشددية الإفنائية.
تتطلب الأزمة المتكشفة قبولاً منطقياً بأنه، من خلال محاولة استبدال الأنظمة المكروهة بوكلاء يحظون بموافقة أكبر، تكون سياسات واشنطن وحلفاؤها قد صبت الوقود على نار التطرفية بدلاً من احتوائها. وتشكل تنحية الخلافات السياسية والطائفية جانباً متطلباً مسبقاً حتمياً لمجابهة التهديد الذي تشكله الدولة الإسلامية وأتباعها المسافرون.

* كاتب عامود مع روسيا اليوم، ومساعد بحث مع الحركة الدولية من أجل عالم عادل، وهي مؤسسة غير حكومية متمركزة في كوالالمبور، ماليزيا.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Washington's Plan to Fuel Radicalism

التعليق