في الذكرى الثلاثين لرحيل المفكر العربي الأردني منيف الرزاز

تم نشره في الجمعة 19 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • بورتريه لمنيف الرزاز بريشة الزميل إحسان حلمي

عمان - الغد- صادفت في الأسبوع الماضي الذكرى الثلاثون لرحيل المفكر العربي الأردني منيف الرزاز، وهو أحد القيادات القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.
الرزاز الذي ولد في العام 1919 في سورية، ونشأ في الأردن. غادر مع عائلته إلى الأردن بعد أن اتهم والده من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية بالتعاون مع الثوار خلال الثورة السورية الكبرى. ليعد التاريخ نفسه حيث اتهم الرزاز في العام 1979 بأنه اشترك في مؤامرة ضد صدام حسين ليوضع تحت الإقامة الجبرية.
اعتقل منيف الرزاز الذي تخرج طبيباً في جامعة القاهرة مع مجموعة من السياسيين الضباط الأحرار في العام 1957 في معتقل "الجفر" في معان، واعتقل للمرة الثانية في العام 1963 على إثر محادثات الوحدة بين مصر وسورية والعراق، وأطلق سراحه في العام 1964، ووضع تحت الإقامة الجبرية، وانتخب أميناً عاماً لحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1965، وانتقل إلى دمشق، ثم عاد إلى الأردن في العام 1967.
شارك منيف في الهيئات القيادية للمقاومة الفلسطينية، وانتخب في العام 1977، أميناً عاماً مساعداً لحزب البعث فانتقل من عمان إلى بغداد، نحي عن هذا المنصب في العام 1979 وفرضت عليه الإقامة الجبرية مع زوجته لمعة وابنته زينة، توفي وهو قيد الإقامة الجبرية في بغداد العام 1984، وبناء على وصيته الوحيدة تم دفنه في الأردن.
ترك المناضل منيف الرزاز صاحب الفكر القومي التقدمي بصمات واضحة في الحياة السياسية والحزبية الأردنية والعربية في النصف الأخير من القرن الماضي، وأثرى المشهد السياسي والفكري من خلال مؤلفاته: "الحرية ومشكلاتها في البلدان المتخلفة"، "معالم الحياة العربية الجديدة"، "فلسفة الحركة القومية العربية"، "تطور معنى القومية"، "أزمة اليسار العربي"، "السبيل إلى تحرير فلسطين"، "فلسطين والوحدة 1969-1975"، "الوحدة العربية هل لها من سبيل؟"، "لقاء الثورات واللقاء الثوري"، و"أحاديث في العمل الفدائي".
وكما ترك الرزاز بصماته في الحياة السياسية ترك لنا في الحياة الثقافية نجله الروائي والقاص والفنان التشكيلي "مؤنس الرزاز" الذي أثرى بدوره المشهد الثقافي الأردني بكتاباته الروائية والقصصية والمقالة السياسية والفكرية والعديد من اللوحات الفنية، ليرحل في العام 2002.
ونجله الأصغر الدكتور عمر الرزاز الذي حصل على أكثر من شهادة جامعية منها الدكتوراة، وعمل في مؤسسات اقتصادية ومالية كبرى قبل أن يصبح أخيرا رئيسا لمجلس أمناء صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية. وبمناسبة مرور ثلاثين عاما على وفاة منيف كتب نجله عمر مقالة يتذكر فيه والده.
ويطرح عمر من خلال هذه المقال تساؤلات حول: "مكمن الفشل الذريع في الحلم العربي، الذي كان يحلم به منيف وهو الحلم دولة الوحدة والنهضة من المحيط إلى الخليج، فأصبح الحلم كابوس تشرذم دول (سايكس بيكو) إلى دويلات طائفية. كيف انتقلنا من الحلم إلى الكابوس؟ سعيت إلى فكر والدي وتاريخه النضالي، علني أجد بعض الأجوبة".
ويضيف الرزاز: "كتب منيف الرزاز بغزارة حول مواضيع عديدة منها ما يتعلق بالوحدة العربية والقضية الفلسطينية والفكر القومي ومشكلة الحرية والتجربة الاشتراكية. ولقد تطور منهجه البحثي حيث تميز بشيء من الرومانسية في البدايات وانتهج الأسلوب العقلاني الديالكيتكي في النهايات. وقد يعجب البعض بكتاباته الأولى أكثر من الأخيرة والبعض الآخر بكتاباته الأخيرة أكثر من الأولى".
يبين الرزاز: "عبر أربعين عاما من الفكر والعمل جسد منيف التزاما بتحرير الإنسان العربي من القهر السياسي والحرمان الاقتصادي"، لافتا إلى "هاجس الحرية  عند الرزاز"، مستعرضا بعض ما كتب حول هاجس الحرية، ففي كتابه الأول "معالم الحياة العربية الجديدة"، (1952) الذي نال الجائزة الأولى في مسابقة جامعة الدول العربية، خصص منيف الرزاز الحيز الأكبر من الكتاب لقضية حقوق المواطن. واستفاض في الحقوق السياسية وخصوصا حق الانتخاب وحرية الفكر والتعبير وحقوق المرأة.
وفي كتاب "تطور معنى القومية" في العام 1957 كتب الرزاز عن معنى جديد للقومية حيث قال "هذه القومية الجديدة تؤمن بالحرية. لأن ثورتها ضد الاستعمار في أحد مظاهرها ثورة ضد الاستبعاد. أي ضد كبت الحريات وضد الحكم المطلق وضد الحكم الدكتاتوري"، (ص 370).
وأشار الرزاز إلى أهم ما كتب والده من وجهة نظره كتاب : (الحرية ومشكلتها في البلدان المختلفة)، في العام 1965، وهذا الكتاب لم يلق ما يستحق في البحث والتحليل، مشيرا إلى أن والده أراد في هذا الكتاب أن "يحدد أزمة الحرية في الوطن العربي وخطر نزعه الاستبداد وكيفية تلاقيها ويقول بعد أن يعرف الحرية الحقيقية وإشكالياتها.
ورأى الرزاز أن والده في كتاب "التجربة المرة" الصادر سنة 1966 يقيّم تجربة حزب البعث في سورية وينتقد وسيلة الانقلاب العسكري للوصول الى السلطة وتفريغ الحزب من محتواه الديقراطي فهو ينبه الى أنه بغياب الممارسة الديمقراطية (يتحول الحزب إلى حزب يبروقراطي فاشستي الأسلوب، إن لم يكن فاشستي الاتجاه.. ويعني أن كل.. المؤسسات لا تعدل في أهميتها وفعاليتها. أهمية وفعالية وجود بضعة ضباط يعتمد عليهم في بعض الأماكن الحساسة في الجيش.(ص 205).
ورأى الرزاز أن السؤال الذي لم يجد له إجابة: "هو لماذا ذهب منيف إلى العراق في العام 1977، وبعد أن كتب كتابه الشهير (التجربة المرة) وبعد أن عزم على أن يطلّق العمل السياسي ويتفرغ إلى مرضاه والى الكتابة في أوائل السبعينيات؟" قائلا: "ليت مؤنس بيننا ليجيب عن هذا السؤال، فقد كان هذا السؤال هاجسه أيضا وموضوع رسائل ونقاش مستفيض تبادله مؤنس مع الوالد. لم يبق لدينا موثق إلا رسالة كان مؤنس قد أرسلها إلى أخيه وحبيبه د.سليمان المخادمة في العام 1977، أحضرها سليمان لي في ذكرى رحيل مؤنس.
ويختم الرزاز مقاله بحديث عن وفاة والده حيث قال: "قضى والدي مضرجا بدمائه في العام 1984 بعد خمس سنوات من الإقامة الإجبارية في بغداد، من جراء تناول سم مدسوس له أدى إلى نزيف داخلي حاد وبدون إسعاف حتى مات اختناقا على مرأى من زوجته وابنته اللتين شاركتاه البيت - الزنزانة طوال سنوات الإقامة الإجبارية".
ونقل جثمانه بالطائرة إلى عمان التي أحبها وأحبته ووري جثمانه الطاهر في تراب الأردن العزيز على قلبه، وهكذا انتصر النظام آنذاك في اغتيال فكر متألق وموقف ثابت وقلم حر. هكذا نجح في منع منيف الرزاز من كتابة كتاب آخر يتابع الحديث عن التجربة المرة ليكتب عن "التجربة الأمّر"، مؤكد على أن اغتيال منيف لم يطل اغتيال فكره ولم يطل اغتيال نموذجه في الحياة.
وخلص الرزاز إلى أن منيف تميز بثلاث صفات هي: "التجديد المستمر من خلال تغليب العقل والمنطق على التقليد والموروث المتزمت، عزة النفس التي تتأتى من القدرة على الحوار والانفتاح على جميع الآراء وعدم الشعور بالنقص أو الخوف تجاه الآخر، المصداقية حتى العظم التي تتأتى فقط من تطابق كامل بين الفكر والتطبيق، بين النظرية والممارسة".

التعليق