ضحى عبد الخالق

الأذن الثالثة

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 11:00 مـساءً

فتحت حادثة موقع "هرقلة" في عجلون ملفا قديما من تاريخ التنصّت على المملكة. وتلك قصة معتادة في سباق الدول والتنظيمات والأفراد للحصول على ذهب المعلومة، عبر الاختراق المدروس للحدود السمعية. وتتم الاستعانة بمعدات وتكنولوجيا خاصة ومكلفة، لالتقاط التردّدات وتحويل مساراتها بمسارات غير مسجلة، ثم نسخها لاستخدامات متعددة.
ومنذ حقبة الستّينيات، تكوّنت الشبكة الأردنية العامة للاتصالات من دوائر وفرق هندسة الاتصالات في القوات المسلحة. وسلاح الجو هو أول من استخدم في الثمانينيات الألياف الضوئيّة (Fiber) الجديدة الحديثة، بعد استخدام الكابلات المحورية (Co-axil Cables) القديمة مع أسلاك (نقطة إلى نقطة). وبتقدير الخبراء الدائم، فقد تقدمت شبكة اتصالات المؤسسة العسكريّة الأردنيّة، لا بل وزودت الاتصالات العسكرية خدماتها للجميع في الزمن الذي لم تكن قد تبلّورت فيه بعد خدمات شركات اتصالات القطاع الخاص. وقد قامت القوات المسلحة الأردنية بشراء المعدات والتكنولوجيا من شركات إنجليزية وسويدية بضمانات أمن الشبكات المتوافرة في تلك الفترة، وبتنفيذ مهندسين أردنيين مدربين وأكفاء من داخل المؤسسة العسكرية، ثم ليتم التحول التدريجي في الاتصالات الأردنية منذ الثمانينيات إلى شبكة الـ"فايبر"؛ وهي تقنية تجعل التنصت أكثر صعوبة، ولكن لا تمنعه. بعدها دخلت تقنية الـ"GSM" الأوروبية إلى الأردن، ما شغل عددا كبيرا من الهواتف النقالة، لتُصبح لاقطا لاسلكيا بين الملايين من أجهزة الهاتف النقال والمقاسم.
ما تم استخراجه من عجلون هو، من الناحية التقنية، بنية اتصالات قديمة؛ تكوّنت من الكابلات المحورية، وأسلاك مزروعة ارتبطت بقواطع دخيلة ومحولات، للحصول على الترددات الأردنيّة ببطء وبنبضات صغيرة، بحيث لا يمكن تحرّيها. وهي مرتبطة بمصدر للطاقة التشغيليّة عبر السنوات، كونها مدفونة تحت الأرض! وبشهادة الخبراء، فإن الأردن أو أيا من المزودين لم يستخدم قط الطاقة النووية في أي نظام اتصالات رسمي على أرض المملكة، ما يؤكد بلد منشأ التقنيّة. وتجدر الإشارة إلى أن الاتصالات الأردنية قد سبق أن وظّفت الطاقة الشمسية في عدد من المواقع. وقد كان من الممكن في حقبة الستّينيات تهريب معدات الاتصالات أوالتجسّس من دول مجاورة.
إن الصدمة الأولى من حادثة عجلون تتمثل في كيفية التعامل مع فرضية تقنية قائمة وصعبة؛ وهي أن الاختراق المعلوماتي باحتلال الشبكة قائم لحين الكشف عنه، في الوقت الذي قد لا يستطيع الأردن استبدال كل البنى التحتية القديمة أوالكشف عليها. وتلك وإن كانت بتقدير الخبراء أجهزة نائمة، لكن ليس من المؤكد أن بعضها في مواقع أخرى قد لا يحمل اختراقات غير ناشطة. والإجراء الفوري، إذن، هو أن على أصحاب العلاقة ومزودي البنى التحتية، تقديم ضمانات فورية حول مسح أوسع للمناطق ولحلول أمن الشبكات. أمّا من القطاع المدني، فتقوم هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، بالتنسيق مع القوات المسلحة، بالتحقق من أي تعديّات على الموجات، بالكشف الدوري عن محطات البث.
ومن ناحية الـ"GSM" والهاتف النقّال، فسيظل التنصت أو التشويش قائمين من الكل على الكل، لأسباب منها تجارية. ويلاحظ لليوم في بعض المناطق أو قرب الحدود، التقاط المذياع والهاتف النقال ترددات طاغية، قد يتبعها تحويل أوتوماتيكي للترددات الأردنية للراديو أو لشركة اتصال أخرى. لا بل قد يستلم المشترك الأردني رسالة من شركة الاتصال المحلية تُرحب به في البلد الجديد؛ كأنه قد انتقل فعلا عبر الحدود!
كل هذا يستدعي الآن اتخاذ كل إجراء فوري ممكن لحماية نطاقات التردّدات، وكل الإشارات الوطنية وحدودها، تماما كما تُحرس الأرض والحدود.

ضحى عبدالخالق

خبيرة في قطاع تكنولوجيا المعلومات

التعليق