"العربي للأبحاث" يرى بورقة "تقييم حالة" أن "التيار الجهادي" يفتقد الحاضنة الاجتماعية المؤثرة في المملكة

دراسة: قلق أردني من تنامي النزعة التوسعية لـ"داعش"

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 11:00 مـساءً
  • مقاتلون من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" يعتلون دبابة في أحد شوارع مدينة الرقة السورية - (أرشيفية)

عمان- الغد- خلص "تقييم حالة"، أعده الباحث في الحركات الإسلامية حسن أبو هنية، إلى أن الأردن يواجه اليوم، بتوسع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، خطراً "يختلف عما خبره من تحديات تاريخية تقليدية". ورأى أن وجود "داعش" على مشارف الحدود الشمالية الشرقية للمملكة يشكل "قلقاً بالغاً" من تنامي النزعة التوسعية للتنظيم، نظراً لايديولوجيته العابرة للحدود، وطموحه الاستراتيجي المعلن بضم الأردن إلى حدود دولته المستقبلية.
ورقة "تقييم الحالة"، التي أعدت لصالح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومقره الدوحة في قطر،  رأت أن ثمة "حالة من القلق في الشارع الأردني، نظراً لغياب استراتيجية دولية فاعلة للقضاء على "داعش"، واقتصار الإجراءات الأميركية والدولية على احتواء تقدم التنظيم، وصده، من خلال الضربات الجوية".
التقرير قدم تحليلا تاريخيا وسياسيا لانتشار التيار السلفي "الجهادي" في المملكة، وربطه بتطورات الأوضاع في الإقليم، وتحديدا في العراق وسورية.
وقال الباحث إن الأردن "ما يزال يعيد تعريف مصادر التهديد المحدق (بالبلد) وارتباطاته الخارجية والداخلية"، ورأى أن ثمة "خشية" أردنية "تتنامى من ولادة حاضنة اجتماعية، توفر شبكات حماية وإسناد لـ"الجهادية" المحلية، مع هشاشة الوضع الاقتصادي، وانتشار أحزمة البؤس والفقر والتهميش، وضعف الإصلاحات السياسية، وبطء عملية التحول الديمقراطي.
وخلصت الورقة أيضا إلى أن الخشية من الأخطار الجيوسياسية لتنظيم (داعش) "تتصاعد" في الأردن، تجاه خطر التنظيم، "فهو يستند في صراعه إلى مبدأ السيطرة المكانية".
وعلى الرغم من أن هنالك "اقتناعاً راسخاً" بأن "داعش" يقوم على أسس هوياتية صريحة، تستثمر الصدع الهوياتي الطائفي في العراق وسورية، وينشغل حالياً بتثبيت سيطرته هناك، وهي أسس غير متوافرة في الأردن، فإن القلق (الأردني)، بحسب أبو هنية، يتمحور حول الجانب الاقتصادي من جهة، وطبيعة الدور الأردني، ومدى مشاركته في التحالف الدولي ضد "داعش" من جهة  أخرى. ولا يبدو خطر التنظيم ماِثلاً على المدى القريب، لكن الأردن يقع في صلب ايديولوجيته التوسعية وخططه الاستراتيجية المستقبلية.
وحسب الورقة فإنه "إذا لم يجر بناء استراتيجية دولية فعالة، تقوم على شراكة محلية وإقليمية ودولية للقضاء على تنظيم "داعش" فإن الأردن، يواجه خطراً حقيقيا".
مرتكزات تمدد "داعش"
وترى الورقة أن الأردن يقع في نطاق الأهداف الاستراتيجية لـ"داعش"، إذ لا يخفي التنظيم أحلامه وطموحاته، بضم الأردن إلى دولته الممتدة.
ولفتت إلى أنه بعد سيطرة "داعش" على بلدة الرطبة العراقية، التي تبعد نحو 112 كيلومتراً عن الحدود السعودية والأردنية، ومواصلة التقدم باتجاه معبر طريبيل، "أخذ الجدل المحلي الأردني منحى أكثر جدية واحساساً بالخطر". معتبرا أن هذا "الإدراك الأردني بخطورة الوضع"، أثار تساؤلاً حقيقياً، حول مصادر التهديد الجديد، كما جرت إعادة النظر بعناصر قوة تنظيم "داعش"، خارجياً في العراق وسورية، وداخلياً، بشأن خلاياه النائمة وحاضنته الاجتماعية".
وبعد أن استذكر الباحث دور الحركة "الجهادية" الأردنية تاريخياً، بما أسماه "المشاركة النوعية" في تأسيس "الجهادية" العالمية، وانقسامات التيار أردنيا، خلص إلى أن المشاركة الأردنية العالمية النوعية للسلفية الجهادية "لم تنجح تاريخياً في استثمار وجودها على الساحة الأردنية".
لكن الباحث يرى أن الساحة الأردنية تشهد اليوم "تحولاً  بارزاً في مسيرة السلفية الجهادية، وتطوراً خطيراً في تصوراتها الصراعية، وانقساماً في رؤاها الأيديولوجية والاستراتجية". وأوضح أن "صعود "داعش" أوجد صراعاً بين الأجيال الجهادية الأردنية، وظهر ذلك جلياً مع انشطار تنظيم القاعدة على خلفية الثورة السورية، بين تنظيمي "داعش" و"جبهة النصرة لأهل الشام"، فالجيل القديم أمثال "أبو محمد المقدسي" و"أبو قتادة" انحازا إلى "النصرة"، أما الجيل الجديد فينحاز إلى تراث الزرقاوي والشامي، ويتبعه أبو محمد الطحاوي، وأبو المنذر عمر مهدي زيدان، وهو الأكثر عدداً والأوسع انتشاراً، ما يعد انقلاباً في مسار السلفية الجهادية الأردنية.
وقال الباحث إن "السلفية الجهادية الأردنية دخلت منذ نشأتها في تسعينيات القرن الماضي، متاهات الأولويات، وتمكنت الأجهزة الأمنية، من تفكيك تنظيماتها وخلاياها، وأجبرتها على الانزواء والكمون، وحملتها على البحث دوماً عن ساحات بعيدة، وحرمتها من خلق حواضن اجتماعية وشبكات حماية، إذ لم تشكل تهديداً حقيقياً لأمن المملكة واستقرارها".
ورأى أن "الاختراق الوحيد من الخارج جاء عن طريق "جماعة التوحيد والجهاد"، التي أسسها الزرقاوي في 2003، وتطورت إلى تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" عندما نفذت تفجيرات عمان.
ويلفت الباحث إلى أن المخاطر الأساسية تجاه الأردن "تغيرت" اليوم، فقد تطورات الشبكة التي أسسها الزرقاوي مع دخول سورية دروب الثورة، وبروز جبهة النصرة ثم ظهور "داعش"، مشيرا إلى أن أكثر من ألفي جهادي أردني التحقوا بالقتال في صفوف التنظيمين، وهي أكبر مشاركة جهادية أردنية خارجية على الإطلاق.
ورأى الباحث أن السنوات الثلاث الماضية شهدت "تطوراً ملحوظاً للجهادية الأردنية، وانتشاراً جغرافياً وديموغرافياً واسعاً، إذ تجاوز عدد أتباع التيار سبعة آلاف جهادي، فضلاً عن الأنصار". وتتوزع خريطة وجودهم على جميع المدن والمحافظات، وتخترق الطبقات والفئات الاجتماعية كافة.
واعتبر أن مدينتي الزرقاء والرصيفة ذات الكثافة السكانية العالية "خزان أساسي" للتيار، كما يتنامى وجودهم في أحياء عمان الشرقية الفقيرة، ويفرضون حضورهم في محافظة معان ومدينة السلط، وفي مخيمات اللاجئين في محافظة إربد. ويفسر الباحث أن هذه المناطق "تتميز بشعور متنام بالتهميش والفقر والحرمان وغياب العدالة، وبتنوع جذورهم الاجتماعية، ما يشير إلى بداية تشكل حاضنة اجتماعية للتيار الجهادي في الأردن، وخصوصاً في معان والزرقاء".
وخلص الباحث إلى أنه "بهذا باتت الجهادية تتوافر على بيئة منتجة لهذا التيار، تمدها بشبكات حماية وإسناد، وتتخلق في رحمها الشروط والأسباب الموضوعية الكافية لنموها وتكاثرها وازدهارها".
إلا أن الباحث يرى أنه رغم تنامي الجهادية الأردنية، فإن هذا التيار "ما يزال يفتقد إلى حاضنة اجتماعية واسعة ومؤثرة، إذ لا يتوافر الأردن على انقسامات هوياتية طائفية، كما حال العراق وسورية ولبنان، وهذا ما يميز ايديولجية "داعش" التي تستند إلى أساس هوياتي صريح، إذ يقدم التنظيم نفسه كدرع واق للهوية السنية الممتهنة في العراق وسورية، في مواجهة السياسات الطائفية والمليشيات الشيعية والنفوذ الإيراني".
ويقدر الباحث أن خيارات التنظيم الاستراتيجية التوسعية في الأردن، "لا تستند إلى أساس هوياتي (سني - شيعي)، ولن يلجأ إلى خيار التلاعب الهوياتي، واستثمار مسألة الجذر الانتمائي الأردني الفلسطيني، لكنه بالتأكيد سيعمل على استثمار "المسألة الفلسطينية"، والتحريض على موقف الأردن وإلزامه عملية السلام مع إسرائيل، وعلاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبخاصة المتعلقة بـ"مكافحة الإرهاب" (...)".
لذلك، يرى أبو هنية أن تحدي تمدد "داعش" إلى الأردن، لا يستند إلى الحاضنة الاجتماعية أساساً، لكنه سيستثمرها إذا قرر المغامرة والدخول بالاعتماد على المقاتلين الأردنيين في صفوفه بصورة رئيسة. وقال إن "عقيدة التنظيم القتالية في الأردن تقوم على أسس جيوسياسية بحتة، فالتنظيم لا يرتكز على تكتيكات حرب "الأنصار" وحدها، ويعتمد على مبدأ "السيطرة المكانية" بصورة رئيسة، وفق منطق الحروب الجديدة الهجينة". 
الأردن: استراتيجية صد واحتواء
بعد أن تصاعدت التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورة تنظيم "داعش" خرج الأردن من حالة الإنكار، بحسب أبو هنية، ودخل في مرحلة الإقرار بالخطر، وبدأ البحث عن بناء استراتيجية لصد التهديد أو احتوائه، فالعدو هذه المرة أكثر قوة وأشد بأساً، مما اعتاد عليه.
وقال "منذ نشأة الجهادية الأردنية في تسعينيات القرن الماضي، تمكن الأردن من التعامل الأمني مع الظاهرة بنجاح باهر، وحملها على التواضع والانزواء داخلياً، وألجأها للبحث عن خيارات جهادية تضامنية خارجية، لكن خطورة الجهادية الراهنة اليوم لا تقتصر على تنظيمات وخلايا محلية محاصرة ومنعزلة، تسعى لتشويش الاستقرار، بل في مواجهة تنظيم جهادي تحول إلى دولة ممتدة على الحدود الأردنية الشمالية الشرقية (...)".
ورأى أن التعامل الأردني مع خطر تمدد "داعش" انتقل من المستوى السياسي إلى المستوى الاستراتيجي، مع تصاعد فوبيا "داعش" على المستوى الشعبي، بحسب أبو هنية، فعقب فترة من تهوين مصادر التهديد وخطورته، بدأت الحكومة بالإقرار بالخطورة، ولجأت إلى طمأنة الرأي العام بشأن القدرات الدفاعية الأردنية في مواجهة أي اعتداء وصده".
ويلفت الباحث إلى أن معظم التقديرات الاستراتيجية الأردنية "تشير إلى عدم إمكانية تعرض الأردن لمواجهة عبر الحدود مع قوات "داعش" على المدى القريب، مع إدراك خطورة الجهادية الأردنية، في الخارج والداخل على المستوى الأمني".
لكنه يلفت إلى أن الاهتمام يتركز حالياً على مدى توافر القدرات على التنبؤ بسلوك التنظيم، في حال انخراط الأردن ضمن ترتيبات دولية وإقليمية، وموقعه من التحالف الجديد.
والباحث يرى أن الأردن "لا يتوافر حاليا على استراتيجية واضحة الملامح  في مواجهة تهديد تمدد "داعش"، وأن دوره في التحالف الدولي، بحسب أكثر التقديرات الواقعية، "سيقتصر على الجانب الاستخباري واللوجستي".
وأشار إلى أن الأردن اتخذ "جملة من الإجراءات القانونية والأمنية لمواجهة خطر "داعش" والجهادية الأردنية، إلا أن المعضلة الاقتصادية والعقدة السياسية "ما تزالان تراوحا مكانهما". ورأى أن المقاربة الاردنية "ما تزال تتمسك بمواجهة مصادر التهديد الجهادي الداخلي والخارجي عبر المقاربة الأمنية الصلبة، ومتعلقاتها القانونية".
وبحسب أبو هنية، فإنه بانتظار تبلور "استراتيجية دولية" لمواجهة خطر تمدد "داعش"، فلا يمكن الحديث عن استراتيجية أردنية مستقلة، وتبقى الإجراءات التقليدية فاعلة حتى اللحظة، من خلال نشر مزيد من القوات على الحدود الاردنية - العراقية - السورية المشتركة، والتنسيق مع الحلفاء الإقليميين والدوليين.

التعليق