فلسطينيو القدس تحت الحصار المتواصل

تم نشره في الخميس 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • جدار الفصل العنصري الإسرائيلي يحيط ببلدتي أبو ديس وجبل المكبر في القدس المحتلة - (أرشيفية)

مايكل تشين – (ذا نيشن) 6/11/2014

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تتفجر القدس مرة أخرى لتحتل العناوين الرئيسية بمشاهد الجيشان والقمع.
وقد أدت عدة اصطدامات إلى رفع حالات التوتر في عموم المدينة في الشهور الأخيرة، وقدحت زناد صدامات مع القوات الأمنية الإسرائيلية: إطلاق النار على ناشط يهودي من الجناح اليميني، وصراعات دائمة حول المسجد الأقصى، والمزيد من الهدم غير الرحيم للمنازل الفلسطينية.
 وفي الأثناء، أصبحت مشاهد القلاقل وانهمار الطلقات النارية ومئات الاعتقالات جزءاً محزناً من الإيقاعات العنيفة للحياة اليومية في المدينة المقدسة.
لكن هناك وراء حالات التفجر الأحدث للعنف أزمة تطبخ على نار هادئة، والتي ما تزال مفروضة منذ أجيال، كما يوضح ذلك تقرير جديد حول عدم المساواة الطبوغرافية في القدس الشرقية.
 فلإنهم منفصلون عن باقي المدينة المقدسة، يكتوي الأغلبية في القدس الشرقية العربية بنار الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي.
ويصف التقرير الذي نشرته مجموعة العمل المستقلة "واك- معاً" القدس الشرقية بأنها "كارثة اقتصادية اجتماعية"، والتي لا يتم تجاهل الفقر المزمن فيها وحسب، ولكنه يتعزز من جانب مؤسستي رفاه إسرائيليتين، مؤسسة التأمين الوطني ومكتب العمل.
 ويناط بهاتين الوكالتين المتخصصتين بالرفاه مهمة تقديم المساعدة العامة للمقدسيين كافة.
 لكنه عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات الفلسطينية، يقول الناشطون أن البيروقراطيات تقوم بمهمة حراس البوابة على الامتيازات المجتمعية بموجب "سياسة حكومية لدفع الفلسطينيين إلى ما وراء الجدار"، وتطبيق رسالة الحكومة "عززوا السيادة الإسرائيلية في أراضي القدس الشرقية."
بموجب برنامج لـ"تطوير" القدس الشرقية، تقول مجموعة "واك- معاً" إن المهمة الحقيقية ليست تقديم الخدمة المجتمعية، بل عملية إفقار ممنهج تفضي إلى تطهير للجيوب الفلسطينية المحلية، ثم الدعوة إلى إحلال سكان يهود محلهم في نهاية المطاف.
 وتحاجج مجموعة "واك-معاً" في أن التمويل وراء أحكام "التطوير" ضئيل جداً إلى درجة "أنه لا يستطيع إنجاز أي تغيير حقيقي سوى إظهار السيادة الإسرائيلية."
في الصورة المصغرة لمشهد الأراضي المحتلة التي مزقتها الحرب، أصبحت القدس الشرقية محاصرة بفعل حاجز الفصل العنصري الإسرائيلي.
فعلى جانب الأراضي المضمومة خارج الحاجز، تبقى المنازل مقطوعة عن الخدمات العامة، وفق "واك-معاً".
 وعلى الجانب الآخر، وضمن نطاق المناطق الرئيسية للقدس الشرقية، هناك إنشاءات عبثية و"تطوير"، لكن الأثر الصافي على السكان العرب الفقراء يتمثل في الحفاظ على المجتمع مقسماً فقط. وبالإضافة إلى الفقر المدقع إلى حد كبير، فإن الوصول إلى المرافق يبدو مقيداً بشدة في الضواحي خارج الحاجز، حيث يشكو السكان من "وجود ضغط مياه منخفض بشدة -أو حتى عدم وجود مياه على الإطلاق لأيام ممتدة".
أما عدم وجود وظائف فهو واقع مزمن.
في العام 2011، شارك 37 في المائة من الفلسطينيين المحليين وحسب في القوى العاملة، أي حوالي ستة من أصل كل عشرة رجال و14 في المائة من النساء.
ويقول منظم "واك- معاً"، أيريز فاغنر، لصحيفة "ذا نيشن" إنه منذ اندلاع الاحتجاجات في الأسابيع الأخيرة، عمّ الاضطراب وعدم الاستقرار في المجتمع بأكمله.
 ويواجه السكان العرب، في الغضون، كتائب من الدوريات الأمنية في الشوارع، مما يجعل "الحالة متفجرة جداً".
لكن وراء احتجاجات الشارع ، حتى بالنسبة لأولئك الذين يحاولون العمل وحسب "وبسبب القلاقل شاهدنا الكثير من أرباب العمل لا يريدون العمال العرب."
يتهم التقرير أيضاً مؤسسة التأمين الوطني ومكتب العمل بحرمان السكان الفلسطينيين الممنهج من الوصول إلى الخدمات والميزات المجتمعية  إذ ينبغي أن يكونوا مؤهلين لتلقيها.
 وطبقاً للتقرير، فإن المقدسيين الفلسطينيين الذين يقدمون طلبات للحصول على مزايا "غالباً ... ما يكتشفون أن الموظفين في وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني يشككون في إقامتهم" عندما يدققون في وثائقهم.
 ومن شأن هذا أن يفضي إلى "إلغاء الخدمات الصحية وخدمات الرفاه ومزايا التأمين الوطني، ومن الممكن أن يقود إلى منعهم من العيش في إسرائيل، بما فيها القدس."
وتقول "واك- معاً" أنه في بعض الحالات، يحال الساعون إلى العمل من العرب إلى مرجعيات عمل "وهمية" —أماكن لا توجد فيها شواغر.
 ومن شأن هذا أن يخل بأهليتهم للبطالة، نظراً إلى أنهم لا يستطيعون إظهار أن شركة ما قد رفضت فعلياً طلبات التوظيف التي تقدموا بها، كما أن مكتب التوظيف يستطيع الإدعاء على نحو مخادع بإن، "المشتكي رفض العمل"، وهكذا يجري عليه مزايا العاطلين عن العمل.
وفق "واك—معاً "حتى الأجزاء" المطورة" من القدس تعاني بسبب الإنشاء المتهور.
 ونظراً لأن البلدية "لا تحافظ على أي إشراف من أي نوع على الإنشاءات، فإن المضاربين، استناداً لحجة "واك-معاً" يظلون قادرين على "استغلال نقص الإسكان الذي يظل موجوداً في الجزء الرئيسي من القدس الشرقية... بغية بناء ارتفاعات عالية، تصل في بعض الأحيان إلى 14 طابقاً من دون إشراف ومن دون البنية التحتية الضرورية. ومن السهولة بمكان أن تتحول هذه المباني إلى مصائد موت في حالات اندلاع حريق أو حدوث زلزال."
من منظور تاريخي، ما يزال تهميش الضواحي الفلسطينية في المدينة متواصلاً على قدم وساق منذ ضم المدينة بحكم الأمر الواقع في العام 1967، والذي أفضى إلى عقود من العزلة الاقتصادية المبرمجة، وإلى التفرقة الإسكانية.
 وبينما تكون الموجات الأخيرة من القلاقل في القدس متداخلة على نحو معمق مع الصراعات في غزة والضفة الغربية، فإن نماذج التهميش الاجتماعي الموضحة في تقرير "واك—معاً" قد تكثفت بفعل مبادرة "تطوير" حديثة تهدد بالمسارعة في الإحلال الجماهيري لليهود على حساب الفلسطينيين.
 وتدعي الخطة الخماسية التي أعلنت عنها البلدية مؤخراً تعزيز الأمن القومي عبر "توحيد" المدينة. لكن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ذكرت في وقت سابق هذا العام أن الخطة تبدو وأنها تهدف إلى تسهيل ضم المجتمعات العربية "وإذابة أي احتمال لإمكانية تقسيم المدينة كجزء من اتفاق مستقبلي".
لم ترد مؤسسة التأمين الوطني مباشرة على مزاعم "واك- معاً" بإساءة التصرف.
 لكن رئيس قسم البحوث والتخطيط في مؤسسة التأمين الوطني، دانييل غوتليب، قال في رسالة إلكترونية لصحيفة " ذا نيشن" إن الفقر كان مشكلة رئيسية في القدس الشرقية، وإنه قبل العام 2011 "لم تنجح الحكومة في خفض الفقر بشكل كاف." وبالرغم من أن دائرته مركزة على البحوث والتحليل، فقد لوحظ أن الحكومة قد أقرت بعض إجراءات الإغاثة، مثل ائتمان ضريبي مكمل.
 كما أعرب غوتليب طبقاً للمستشار العام لمؤسسة التأمين الوطني، عاموس روزنرويغ، عن أن "مؤسسة التأمين الوطني لا تذهب ميلاً إضافياً باتجاه السكان العرب في القدس الشرقية لمنحهم حقوق ضمان اجتماعي، بالرغم من حقيقة أن القانون الإسرائيلي لا يسري عليهم،" وأن هؤلاء السكان يعدون استثناء لأن "التشريع الخاص بالضمان الاجتماعي يسري فقط على السكان الذين يقطنون جغرافياً في داخل حدود إسرائيل."
لكن فاغنر يتصدى بالقول بأن السكان العرب في المناطق المضمومة "يحملون هويات إسرائيلية، وهم مؤهلون بموجب القانون لكل مزايا الضمان الاجتماعي".
 لكنهم يظلون عرضة للتمييز لأن "جدار الفصل يعزل تلك الضواحي."
 ويضيف فاغنر فيما يتعلق بـ"الميل الإضافي" المقترح للبلدية: "إن هذا الرد يعكس ابتعاد مؤسسة التأمين الوطني عن التزاماتها تجاه سكان الضواحي في القدس الشرقية".
القدس التي تسترعي الانتباه الخافت في عناوين الأخبار الرئيسية، والتي تعاني من الفوضى العارمة على نحو محزن، تبدو أنها في طريقها نحو الجنون.
 ولا يقتصر الأمر على الدوريات الأمنية أو نقاط التفتيش التي تحشر السكان العرب في المدينة في الزاوية، بل نظام التهميش الاقتصادي الذي يعد واحداً من الأسلحة الأكثر قوة ضد المجتمعات الفلسطينية -جدار فصل ليس فسيولوجياً وحسب، وإنما هو اجتماعي مزروع في تفاصيل كل يوم من الحياة تحت حصار.

*يكتب بانتظام لصحيفة "ذا نيشن".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:Jerusalem’s Palestinians Are Under Economic Siege

التعليق