مغالطة الانسحاب من غزة

تم نشره في الأربعاء 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • فلسطينيون يراقبون جندي احتلال في دورية داخل مدينة الخليل المحتلة - (أرشيفية)

ألون بن مئير* - (ميدل إيست أونلاين) 15/11/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تروج حكومة نتنياهو بقوة وإصرار فكرة أن انسحاب إسرائيل من غزة في العام 2005 واستيلاء حماس اللاحق عليها والعنف الناجم منها، كلها تشير بقوة إلى أن هدف الفلسطينيين هو تدمير إسرائيل، وليس استعادة الأراضي المفقودة. ويقول نتنياهو إنه يجب على إسرائيل التعلم من هذه التجربة، وبالتالي عدم الانسحاب من الضفة الغربية الأقرب كثيراً من غزة إلى المراكز الحضرية في إسرائيل. ويمضي الطرح إلى القول إن استيلاء حماس على الضفة الغربية سيجعل منها منصة أخرى لإطلاق هجمات الصواريخ وقسمة إسرائيل من النصف وإلحاق خسائر لا تعد ولا تحصى بالأرواح والممتلكات.
لسوء الطالع، فإن العديد من الإسرائيليين اشتروا المغالطة التي تنطوي عليها هذه الحجة. وفي الحقيقة، إذا كانت إسرائيل ستنسحب بتهور من الضفة الغربية كما انسحبت من غزة، فإن من الممكن أن تنجم نتيجة مشابهة، نظرياً.
يستغل نتنياهو الحروب الثلاث العنيفة التي دارت بين حماس وإسرائيل -عملية الرصاص المصبوب في العام 208؛ وعملية عمود الدفاع في العام 2012؛ وعملية الجرف الصامد في هذا العام- لكي يظهر بشكل زائف تداعيات الانسحاب من غزة، بدلاً من إظهار تداعيات الحفاظ على ظروف هشة بين إسرائيل وبين الفلسطينيين.
إن استخدام عبارات متغطرسة لوصف هذه العمليات ضد حماس ليس هو الجواب. ولا يعمل الاستشهاد بتصرفات محاكاة حماس ومبدئها في الترويج لتدمير إسرائيل لتبرير معاملة إسرائيل للفلسطينيين في الضفة الغربية سوى أن يصب فقط لصالح المتطرفين الفلسطينيين.
يضلل نتنياهو الجمهور عن عمد من أجل تبرير رفضه العنيد لتنفيذ انسحاب كبير من الضفة الغربية من خلال إعادة كتابة تاريخ الانسحاب من غزة وربطه مباشرة بمخاوف الأمن القومي. وكانت المخابرات الإسرائيلية تعرف في ذلك الوقت أن حماس تحظى بشعبية سياسية، وأنها كانت تتوافر على قدرات عسكرية تستطيع التغلب على قوات الأمن الداخلي التابعة للسلطة الفلسطينية تحت قيادة عباس في أي مواجهة.
لكن رغبة رئيس الوزراء في حينه، أرييل شارون، في تخليص إسرائيل من منطقة فلسطينية تعج بالسكان، واعتقاده، كما هو منصوص عليه في خطاب حزب كاديما بأنه "من أجل الحفاظ على أغلبية يهودية، فإنه يجب التنازل عن جزء من أرض إسرائيل للحفاظ على دولة يهودية وديمقراطية" قدمت الحافز لإخلاء غزة أولاً. ولإظهار نواياه بأن الانسحاب لن يكون مقصوراً على غزة، أمر شارون في آب (أغسطس) 2005 بإخلاء صانور وحوميش في شمالي الضفة الغربية، واضعاً الأمة على مسار كان من الممكن أن ينهي الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
مع ذلك، تجاهل شارون الحاجة إلى تنسيق إخلاء غزة بالكامل مع السلطة الفلسطينية، وفشل في طرح خطة مدروسة جيداً لتنفيذ الانسحاب على مراحل، وهو ما كانت له تداعيات كبيرة على الأمن القومي.
بالشكل المثالي، كان يجب أن يبدأ الفلسطينيون بعد الانسحاب في إرساء بنية تحتية لدولة، وتطوير برنامج اقتصادي كبير لتوفير وظائف وفرص لعشرات الآلاف من الشباب الفلسطيني، بينما يتم الإعراب عن الاستعداد للالتزام بالعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل. ولا يجب أن تؤثر حقيقة أن هذا لم يحدث في غزة على الحالة في الضفة الغربية، خاصة وأن السلطة الفلسطينية أعلنت رسمياً في أعقاب انتهاء الانتفاضة الثانية في العام 2005 عن نبذ العنف في سبيل تحقيق هدفها السياسي-إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
بدأت السلطة الفلسطينية على نحو جدي في بناء أساسات دولة، مع مدارس ومستشفيات وشبكة طرقات ومؤسسات خاصة وحكومية، حتى أنها تلقت إطراء كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين لتعاونها التام مع إسرائيل في كل المسائل الأمنية، حتى في أوقات تصاعد التوتر بين الجانبين.
كانت التجربة الغزية، طريقة إيجابية ودلالية من حيث إظهارها الأخطاء التي ارتكبها شارون وكيفية تجنب الوقوع في مثيلاتها في أي فك اشتباك مستقبلي مع أراضٍ محتلة في الضفة الغربية. ومع ذلك، يقوم نتنياهو باستخدام تجربة غزة لتبرير استمرار الاحتلال بدلاً من وضع خطط مشددة مع السلطة الفلسطينية تنطوي على إجراءات أمنية لضمان أن لا تتحول الضفة الغربية إلى أرضية شن هجمات على إسرائيل.
ورغم أن شارون ونتنياهو على حد سواء يعتقدان بأن "للأمة الإسرائيلية حقا قوميا وتاريخيا في كل أرض إسرائيل"، فقد أدرك شارون أن عليه التنازل عن جزء منها للحفاظ على الهوية القومية اليهودية للدولة. وعلى النقيض من ذلك، ما يزال نتنياهو منقاداً لاعتقاده بأن إسرائيل ليست قوة احتلال، وبأن تأسيس دولة فلسطينية على الأرض نفسها يصادر حق إسرائيل المتوارث في كل الأرض.
أما وقد قيل ذلك، فإن إسرائيل الآن هي في وضع مثالي للانسحاب من معظم الضفة الغربية من دون المجازفة بأي من وقائع مخاوفها الأمنية المشروعة. وفي الحقيقة، فإن انسحاباً يستند إلى خطط وإجراءات معدة سلفاًً سيعزز من أمن إسرائيل القومي ولن يقوضه.
لا أحد بكامل قواه العقلية يستطيع اقتراح أنه يجب على إسرائيل الانسحاب من الضفة الغربية بشكل متهور كما كانت قد انسحبت من قطاع غزة ومن جنوب لبنان في العام 2000، بين عشية وضحاها من دون تنسيق مع السلطة الفلسطينية أو الحكومتين اللبنانية والسورية على التوالي.
بدلاً من ذلك، يجب أن يستند الانسحاب إلى عدد من المراحل المتفق عليها، والتي يتم تنفيذها خلال فترة تتراوح بين خمسة وعشرة أعوام، وتنطوي على إجراءات محددة جيداً والتي ينفذها الجانبان وفق برنامج معلوم، مع آليات مراقبة لضمان التقيد التام ومنع التصعيد.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تحدد الترتيبات الأمنية الثنائية مقدماً، كما يجب أن يكون هناك برنامج تنمية اقتصادية مركزياً لأي اتفاقية، بحيث يطور الفلسطينيون مصالح خاصة بهم ويكون لديهم الحافز للحفاظ عليها.
لكن حكومة نتنياهو تجد أنه من المواتي تماماً بالنسبة لها استغلال العنف الحالي الذي تشهده القدس، وموت أبرياء إسرائيليين وفلسطينيين للإشارة إلى "حكمة" سياساته المتمثلة في المحافظة على بقاء الاحتلال ورفضه التقدم بتنازلات مناطقية، على افتراض أنها تأتي لاعتبارات أمنية قومية.
بغض النظر عن مسببات العنف الراهن، فإنه يظهر وحسب أن الوضع الراهن لا يمكن الدفاع عنه. إن الاحتلال الإسرائيلي هو احتلال بأي تعريف، وهو أم كل الشرور التي تعصف بالعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.
لم يعد مهماً ما إذا كانت لإسرائيل حقوق توراتية أو تاريخية في الأرض، في ضوء واقع الفلسطينيين الذي لا يقبل الشك. لكن نتنياهو وشركاؤه عاجزون تماماً عن رؤية النور.
لقد حان الوقت للجمهور الإسرائيلي، الذي ما يزال مُضللاً بطريقة منهجية، بأن يتخلص من المغالطة التي يتم بها تصوير الانسحاب من غزة، والمطالبة بأن تستقيل حكومة نتنياهو وبأن تعقد انتخابات جديدة لاختيار قادة جدد، والذين يكونون ملتزمين تماماً بإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
إنني أعرف أن هذا المطلب بالغ الطموح، لكن هناك لحظة في الزمن يرتفع فيها الناس فوق ضعفهم البشري. وأعتقد بأن الوقت قد حان لأن يخلق الإسرائيليون هذه اللحظة.

*أستاذ العلاقات الدولية في مركز الشؤون العالمية في جامعة نيويورك. ويُدّرس مساقات في المفاوضات الدولية والدراسات الشرق أوسطية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The Fallacy of the Gaza Withdrawal

 

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق