"يومان وليلة": الكرامة في مواجهة قسوة العيش

تم نشره في الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مشهد من فيلم "يومان وليلة" - (أرشيفية)

إسراء الردايدة

أبو ظبي- الظروف الاقتصادية صعبة، والوضع النفسي والظروف التي لا تقل سوءا عن المحيط وفقدان عملك، قصة عادية يمكن أن يمر بها كثيرون في هذا العالم، ولكن الطريقة التي قدمها بها المخرجان الشقيقان لوك وجان بيار داردن، تجعل من "يومان وليلة" سباقا ماراثونيا.
الجدول الزمني يدور في 48 ساعة، تصدف أنها عطلة نهاية الأسبوع التي يتعين فيها على ساندرا "ماريون كوتيار" أن تقنع زملاءها بإعادة التصويت لصالحها لتبقى في العمل بعد قرار مديرها بتسريحها، بعد أن أقنعهم بزيادة جيدة.
الفيلم الذي عرض في قائمة عروض السينما العالمية في الدورة الثامنة من مهرجان أبوظبي السينمائي وأول عرض له كان في مهرجان "كان" السينمائي، يعكس الحالة النفسية والضيق اللذين تمر بهما ساندرا، فمن سيناريو بسيط، حول الأخوان داردن فيلمهما هذا إلى واقع ساحر لا يخلو من المرارة والأعباء الاقتصادية التي تحفر آثارها في حياة بطلته التي حملته على كتفيها بأداء مذهل وسط صراعها مع رب عملها والقوانين.
الدراما البسيطة اعتمدت على أداء ساندرا "كوتيار" ولغتها الجسدية وتعابير وجهها الشاحبة وقلبها النابض طيلة الفيلم بأنفاس لاهثة وخوف ولحظات انهيار؛ حيث تظهر بعفوية تامة على الشاشة. وما تلتقطه الكاميرا يذهب إلى عمق أكبر من تلك الملامح الخارجية، بدون أي مؤثرات محيطية سوى موسيقى المحيط ووقع أقدام ساندرا وصوت أنفاسها، وحتى محادثتها مع زوجها، وكلها تعكس كفاح الطبقة العاملة بدون السعي لإحداث ثورة بقدر ما تؤكد "ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني؟".
إجابات متعددة، وسيناريوهات مختلفة؛ حيث يؤكد كل ما في الفيلم على الكرامة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، التي لن تقل جراء تقدير الفرد لشأنه ولن تكسره، فيما يبقى أداء ساندرا للعاملة التي تعاني من اكتئاب شعلة نشاط لا يخفت نورها رغم كل التعب والتعاسة، فكانت حيويتها تنير الشاشة.
ويكشف الفيلم الإذلال المتبادل بين صناع القرار وأرباب العمل والموظفين الذين لهم مصلحة كبيرة في الحصول على زيادة، وسط ردود متباينة تتعاطف مع قضية ساندرا، والتي تتحول لمعضلة أخلاقية بطريقة مدروسة وكأنه ذوبان للجليد في المجتمعات التي فيها مستوى الأجور منخفض.
ويتمتع "يومان وليلة" بتدفق طبيعي للحوادث ذات الحساسية الشاملة للواقع الاجتماعي والاقتصادي، وسط تركيز على الجانب السيكولوجي لشخصية المرأة الضعيفة "ساندرا"، التي تكتسب قوة وثقة للقتال من أجل قضيتها وسط شريحة في مدينة بلجيكية وتنوع ديموغرافي مختلف بين مهاجرين عرب، وشباب فقراء يعملون بجد لتسديد فواتيرهم الأسبوعية.
ويسلط المخرجون الضوء على مشاكل القدرة التنافسية، والافتقار للتضامن في المجتمع المعاصر، ويعبر عن غياب الأمن الوظيفي بين الطبقات الفقيرة.
أما الإيقاع السريع للأخوين داردن، فيعتمد على إيقاع اللقطات الطويلة التي تتبع حركة ساندرا وهي تسير من مكان لآخر، ما يكشف عن قرب حجم التوتر الذي تعيشه وتنقله للمشاهد مباشرة، عبر أداء "كوتيار" العفوي بدون أي مبالغة وتسجيل حركتها التي تولد مشاعر بعدم الارتياح.
ومن خلال سلسلة اللقاءات التي تقودها ساندرا مع زملائها من أجل إقناعهم، تضيف نسيجا جديدا من الحساسية العالية وشفافية في التعامل بين زملاء العمل وبينها وسط صعود وهبوط للتوتر والتقلب في الآراء، فيما تتطور العلاقة بين ساندرا ونفسها، وتتحول لمقاتلة بعد أن كانت تشعر بأنها "لا شيء".
ساندرا، هي نجمة الفيلم منذ أوله حتى آخره، رغم بساطة القصة، فهي تكتسب وتتعلم الثقة وتبحث عن الأمل، بجسدها النحيل المتعب وخطواتها المتثاقلة في اللحظات التي تجعلها على شفير الانهيار، وحتى تلك اللحظات التي تبلع فيها ريقها من التعب، حيث تبدو وكأنها في فيلم وثائقي يحمل المشاهد في دوامة رحلتها.
ولا يبقى كل شيء كما هو، غير أن الأهم هو الحفاظ على كرامة المرء، حين يعيش على الحافة وسط أهمية التضامن البشري.
سينما البلجيكيين الأخوين داردن، اللذين حصل فيلماهما (روسيتا 1999) و(الطفل 2005) على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي، ذات ثيمة اجتماعية تظهر ما يتواجد في قاع المجتمع ومعاناته، في إطار سينمائي يزيل الحواجز بين ما هو واقعي وما هو روائي، حيث شخصيات عالمهما وليدة تجارب حقيقية حدثت في العالم المحيط، فضلا عن تقديمها نماذج مستبعدة ومهمشة.

israa.alhamad@alghad.jo

@Israalradaydeh

التعليق