الشتاء يشعل فينا شموع الحياة

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • يأتي الشتاء ليوقظ مشاعرنا المأسورة بقطرات رقيقة نقية يمررها على وجنتي الحياة المختبئة بداخلنا - (تصوير ساهر قداره)

ربى الرياحي

عمان - يأتي الشتاء ليوقظ مشاعرنا المأسورة بقطرات رقيقة نقية يمررها على وجنتي الحياة المختبئة بداخلنا لينتزع من أرواحنا ذلك البرود الذي يأبى أن يمنحنا مصافحة العالم بقلوب نابضة يملؤها الحب، قلوب تنتظر لحظة دفء حقيقية خالية من أي ألم قد يذكرها بمرارة الحياة وقسوتها. يعيد إلينا كل الأشياء التي نمتلكها وربما التي نفتقدها أيضا يجبرنا الشتاء بكل طقوسه على استحضار ذكرياتنا القديمة لننثر بين تفاصيلها حنينا يرفض أن يزول رغم كل التغيرات المستجدة والتي تحاول إقناعنا بأن الفترة الزمنية الطويلة التي مرت على تلك الذكريات كفيلة بأن تجعلنا نتنكر لها ونتخلى عن حنيننا تجاهها لا يدرون أنه كلما زادت الذكريات قدما كان الحنين والشوق إليها أكبر وأعمق، هذا هو تماما ما يريد الشتاء أن يثبته لكل الأشخاص الذين قرروا أن يرموا كل ما يملكونه من ذكريات خلفهم ويمضوا وكأنهم يريدون أن يتجردوا من كل شيء حتى من ماضيهم الذي هو في الأصل حياتهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
في الشتاء فقط يكون لكل شيء لون خاص، الحزن والفرح العزلة واللقاء، التأمل والصمت فيه فقط نصبح أكثر حميمية وإنسانية ووضوح من قبل ربما لأننا نتعلم منه كيف نكون أنقياء من الداخل وكيف تكون ملامحنا أكثر قربا ودفئا. طقس واحد يختصر كل ما يمكن أن نشعر به حين تلامس حباته الشفافة الحانية أرواحنا المنهكة من كل شيء لدرجة أنها لم تعد تنتظر سوى ما يؤلمها فقط حالة استثنائية قصيرة بعض الشيء تجمعنا بالمطر الذي يصر على أن يخرجنا من خيباتنا المتتالية لنمضي بأحلامنا التي سئمت أن تبقى رهينة لضعفنا وتخاذلنا ثم يتركنا مع حكايات وأمنيات غادرتنا في العام الماضي لكن بدون أن نعانقها طويلا، فنحن ما نزال نبحث عن أشياء أخرى قد لا تشبه أحلامنا المتهالكة أبدا، إلا أنها قادرة على أن تجعلنا أكثر تفاؤلا وإصرارا على الحياة. قد نستغرب لماذا لا يزورنا الشتاء جميعا بالطريقة نفسها وبالمشاعر والأحاسيس نفسها، لكن سرعان ما تزول كل علامات الاستفهام والاستهجان وخاصة عندما ندرك أننا مختلفون في تعاطينا مع المطر الذي قد ينحاز إلى أشخاص يفهمون جيدا لغة الحنين دون غيرهم.
في تلك اللحظات الحقيقية بالذات، نقرر أن نقتني ذاتا جديدة متصالحة معنا تمنحنا حق إعادة ترتيب ملامحنا الشكلية لتتناسب مع الاحتفاء الكبير بتلك الطقوس الشتوية التي تجبرنا على أن نستمتع بالبحث عن الدفء حتى وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى ذلك فعلا نستدعي أحزانا طالما أوجعتنا وأبكتنا بمجرد سماعنا لبعض الأغنيات التي تعيد إلينا ذاكرة المكان بكل تفاصيله نود لو نحتال على عتمة آلامنا تقلقنا تستنزفنا تلك الفكرة لكننا مع ذلك نقرر أن نبرأ منها للأبد.
ننتقي للشتاء ملابس شتوية سميكة لنختبئ خلفها، ويزداد لدينا احتمال الشعور بالحاجة إلى تفاصيل الشراب والطعام وإلى وجوه كانت قريبة منا يوما ما، ويمنحنا مرضا شتويا من نوع آخر يشبه تماما حبنا لبعض الأشخاص الذين نتعلق بهم طويلا ثم يختارون الانسحاب.
في الشتاء فقط رغبة عارمة تدفعنا إلى أن نحِن للألوان المبهجة وربما لطعم السكر ورائحة القهوة الصباحية وطيور النهار وزهور الحب التي نفتقدها، ومع ذلك نتعانق مع الطبيعة حد الامتزاج، يدعونا هذا الفصل تحديدا إلى أن نشعل شموع الحياة مرة أخرى لننتصر على كل هزائمنا التي مرت.

life@alghad.jo

التعليق