إبراهيم غرايبة

كتب عليكم القصاص في القتلى

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:06 صباحاً

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة، الآيتان 178 و179).
تؤكد الآيتان السابقتان، على نحو واضح، وجوب القصاص في القتلى. لكن تطبيق هذا القصاص وتقديره مسألة قابلة للاجتهاد والتأويل، كما يقدر القاضي والخبراء المسألة. فقوله تعالى: "الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى" يعني التقدير العادل للعقوبة حسب الجريمة وضررها؛ فماذا إن قتل عبدٌ حرّاً أو العكس؟ وماذا إن قتل رجل امرأة أو العكس؟ وماذا إن قتل رجل أو امرأة رجلين أو امرأتين، أو رجالا كثيرا ونساء؟ المسألة في هذا التطابق هي التقدير العادل للضرر والعقوبة والتعويض، وليس بالضرورة أن يكون القتل هو العقوبة الوحيدة أو العادلة، وليس بالضرورة أن الآية تدعو الى القتل أو تدعو اليه كعقوبة وحيدة.
ومؤكد، بالطبع، أن بقاء العقوبة "نظريا" في قانون العقوبات هو أمر صحيح أيضا؛ باعتبارها "نظريا" هي العقوبة الأصلية للقاتل. لكن التقديرات المحيطة بالجريمة تكتنفها احتمالات الخطأ والجهل والإكراه والهوى والتحيز وعدم الإحاطة والاحتمالات الكثيرة المحيطة بالجريمة ودوافعها، ما يجعل دائما فرصة للشك في أن تكون الجريمة "كاملة". فالنص نظريا على العقوبة القصوى، لا يعني تطبيقها؛ وإدراجها في القانون أيضا لا يعني تطبيقها عمليا، ولكنه التقدير النظري للجريمة في حالة اكتمال شروط وموجبات العقوبة، وهو أمر لا يمكن تحققه. ومن ثم، فإن إلغاء العقوبة ليس إنكارا للنص القرآني ولا اعتراضا عليه، ولكنه مخافة أن يقع ظلم أو خطأ لا يمكن تصحيحه!
ومعلوم أن الفقهاء أكثرهم أوجبوا عقوبة قتل القاتل أيا كان القتيل؛ بمعنى أن القاتل يُقتل سواء كان القتيل رجلا أو امرأة، مسلما أو غير مسلم، كما أن الجماعة تقتل بالواحد.. إلى غير ذلك من الحالات والاحتمالات التي تبدو مخالفة في فهمها وتطبيقها لظاهر النص. لكن الشاهد في المثال أن تقدير العقوبة، وإن كان قائما على مبدأ "القاتل يقتل"، فإن نتيجة التقدير تعتمد على كل حالة بخصوصيتها وطبيعتها وفرادتها، وأن كل قضية قتل هي مختلفة عن غيرها من القضايا ولا تتشابه منها حالتان!
وفي جميع الأحوال، فإن العقوبات والتشريعات لا يمكن أن تحيط بالخير كله، ولا أن تتجنب الشر كله، ولكنها اجتهاد إنساني تضعه وتطوره السلطات التشريعية والقضائية، والدراسات والتجارب والتطبيقات. وهذا هو المبدأ الأساسي الحاكم في تقدير العقوبات والمسائل والأفكار ومراجعتها. ولا يمكن أبدا تحصين تطبيق تشريعي أو إداري أو قضائي بأنه حكم نازل من السماء لا تجوز مراجعته أو تغييره، ويستحيل تطبيق ذلك بالفعل؛ لأنه حتى في الاتفاق على الحكم نظريا، فإن تطبيقه منوط بالبشر وبالسلطة التي يختارونها، والسلطة التي تطبق الحكم هي مؤسسة بشرية تحصل على السلطة بالانتخاب أو الغلبة. ومن ثم، فإن تقدير شرعية حكمها وقانونها يعود إلى مسألتين لا ثالث لهما: الأمة بالانتخاب؛ أو الغلبة بالقوة والقهر. فالمسألة في جميع الأحوال إنسانية، محوطة باحتمالات الخطأ والنسيان والجهل والإكراه والنقص...

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لماذا.... (ghassan)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    قال تعالى "ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب لعلكم تتقون" .
    يكفي لف ودوران عن تطبيق شرع الله