الزائد والناقص في منظومة القيم

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:02 صباحاً

في ثقافتنا العامة الكثير من الآثار والنصوص؛ منها المقدس ومنها المقدر، التي تحض على التوسط، وعلى أن "حب التناهي غلط وخير الأمور الوسط"، كما نقول في مثلنا السائر أن "الزايد أخو الناقص". مع ذلك، فهناك من لاحظ أن شعوب منطقتنا لا تكاد تميز إلا أقصى الحدود والنهايات، فلا تميز جيدا الطيف الواسع بين كل نهايتين.
نلج من هذه المقدمة لنقول إننا أمام مشكلة حقيقية؛ إذ لا نستطيع أن نميز جيدا الطيف الواسع بين "الإيثار" و"الغصب"، وبين "التبذير" و"الشح". فالقيم المشتركة، ومعايير السلوك وأخلاقيات العمل، لا يمكن أن تقوم لها قائمة عند أي من الطرفين.
يرى المفكر المغربي محمد الكتاني، في كتابه القيم "منظومة القيم المرجعية في الإسلام"، أن تحقيق التوازن بين جاذبية القوى النفسية من أشق الأمور. ذلك أن جاذبية الجسد تغالب جاذبية الروح، وجاذبية الأنانية تغالب جاذبية الغيرية، وجاذبية الشعور بالحق تشوش على الشعور بالواجب داخل ضمير الإنسان. والتوازن المنشود هو ما يحققه لسان الميزان الذي يستقيم بين الكفتين. وهذا ما لا يقدر عليه إلا الذين وطنوا أنفسهم، بالوعي الخلقي والإرادة الصلبة، على الوقوف في وجه غلواء كل منهما، بتفعيل الكوابح النفسية التي تمنع من الانفلات والتطرف إلى إحدى الجهتين.
فالمرجع القيمي للمؤسسات، كما للمجتمعات، هو جزء من هويتها وشهادة ميلادها. وحاجتها لإطار قيمي لتحقيق رسالتها ورؤيتها، أصبح علما نظرياً وممارسة عملية، ولا تجد خلافا عليه إلا حين تغيب المؤسسية والتخطيط بعيد المدى كليا.
وكما أن إهدار أو إغفال القيم مدمر للمؤسسة، فإن وضع معايير قيمية غير واقعية وغير قابلة للتطبيق بل وزائفة، وخلط الأوراق من خلال ذلك، يؤدي إلى ذات النتيجة. فالنهايات لا يطيقها الناس؛ إلا النزر اليسير منهم. فإذا تساوى كل ما هو دون المثال، فنحن أمام مشكلة حقيقية في منظومة القيم.
المثالية في الأخلاق، والارتقاء مدارج السالكين، وتطهير النفس، هي من معاني الإحسان العظيمة في التربية والسلوك والتصوف. لكنها لم تكن يوما معايير صالحة للعموم، ومن ذلك بالتأكيد بيئة العمل المؤسسي في المجتمع. إن غياب هذا التمييز، سواء كان عن تواطؤ أو إهمال، هو ضرب من الطوباوية، والتي تقود إلى الانسلاخ أو النفاق، وبالتالي تبدد المنظومة. ورغم أن بيان اختلاف قدرات الناس وأحوالهم، ومقام كل مقال، وموطن كل معيار، مبسوط في علوم وتقديرات السابقين واللاحقين، إلا أننا لا نكاد نلمسه هنا على الأقل.
كثيرا ما يهرب الإنسان من إلحاح ضميره عليه -عند الإساءة أو الوقوع في الخطأ المهني أو المؤسسي أو التجاري- إلى التفتيش عن فتوى تريح القلب الذي يفتي بغير ذلك؛ وربما قصد المستفتون علماء فقه العبادات أو الحديث الشريف أو غيره من العلوم الفاضلة، للحصول على مبتغاهم، وربما تعجل هؤلاء قبل استقراء الواقع المؤسسي، ومعرفة العرف المتبع، والممارسات الراسخة، وربما أخطأوا الهدف.
وبالرغم من أن قضيتنا اليوم تنطلق من إطار أوسع يصعب حسم الكثير من جوانبه، فإنه ما يزال بوسع الدارسين والممارسين في مجالات الشريعة والأخلاق وعلوم الإدارة والاجتماع، أن يسهموا في تطوير وإنضاج منظومة قيمية واقعية، يمكن أن يلتقي الناس على جلها إن لم يكن كلها، تحقق المصالح الفردية والمؤسسية قدر المستطاع.

*مدير عام مركز الحسين للسرطان

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اصبت يا صديقي (ايمن)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    مجتمعاتنا مجتمعات تطرف وعاطفة، حتى عندما تفكر بالوسطية فهي تتعاطى معها بتطرف أيضا
  • »الاصلاح الاداري (محمود)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    الاصلاح الاداري يحتاج الى موقف من الحكومة، و تغيير من المجتمع من اجل تحويل المؤسسات الى مؤسسات فاعلة و ابلتالي النهوض بالمجتمع والاقتصاد.
  • »ثقافة التطرّف (احمد فاضل)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    الذي نشاهده هذه الأيام يدل اننا شعوب تعشق النهايات و لا ترى سواها فنحن متطرفون في الحب و البغض و الكرم و البخل و الإخلاص و الخيانه .هذا النزوع الى الحدود أنتج ثقافة التطرّف و إلغاء الآخر و خراب السلم الأهلي .
  • »امة وسطا (عامر الشيخ)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    ألح الإسلام على الوسطية، جاعلاً منها الميزة الأساسية للأمة الإسلامية بمعناها الحق، فقال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً }.
  • »الوسطيه (دعاء عليان)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    التوسط و الوسطيه هما مفتاح رقي الامم و ما نزعت أمه الى التطرّف الا غرقت في الفوضى و انجرت الى العنف و تعطيل العقل .