موفق ملكاوي

صباح الخير يا صباح!

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:06 صباحاً

صباح الخير يا عزيزتي.
سوف أدعي بأنني سأفتقدك دائما. ليس لأنني أعيش نوبة فشل ووحدة وافتقاد وحزن على غرار ما حدث معك دائما، بل لأنك كنت، على مدى سني عمرك، رمزا للحياة لدى من توهم أنه قرأك واستطاع أن يفهم فلسفتك البسيطة.
كنت تبحثين عن الحب في ممر ضيق أطلق عليه، جزافا، لعبة الحياة، فانطفأ الأمل في عينيك قبل أن تبلغي عتبة اليقين. لنعترف أن اليقين نسبي، وأنه ما كان ليتأتى إلا للذين يأخذون الأمور الجديّة على محمل المضمونية، وكأنما لا تداخلها شكوك أبدا.
تلك صفات قليلة من بعض ما توهجت به علينا خلال أكثر من سبعين عاما من العطاء.
سوف أعذر جميع الذين ضاقوا بك خلال السنوات العشر الأخيرة، وراحو يؤلفون النكات السمجة حول موتك المرتقب. اعذريهم أنت أيضا، فهم لم يعرفوا عطاءك، ولا تقرّبوا منك بـ"موّال" واحد.
في الغالب، هم لم يعرفوا كيف حفرت جانيت جرجس فغال اسمها بحروف ذهبية، لكي ترتقي بالذائقة العربية نحو كماليات جمالية لم يعرفها العربي من قبلها.
هم لم يدركوا كيف تشبثتِ بحلمك صبية في أوج الجمال، عندما بدأت أولى إطلالاتك علينا في العام 1945 من خلال في فيلم "القلب له واحد"، بأغنيات من توقيع الكبير دائما رياض السنباطي الذي تولى تدريبك.
هم لم يعرفوا الحزن الذي تشبث بروحك وأنت تبحثين عن الحب الذي لم تجديه في تسعة أزواج وعشرات العلاقات العابرة التي لم يكتب لها أن ترى النور، فيما الحزن يزداد حفرا في الروح من دون أن يجد ما يرتقه.
لم يعرفوا زفرة الجرح العميقة في الروح حينما أعلنت أنهم، كلهم، يستغلون الشهرة التي وصلت إليها بتفانيك، ويطمعون في الثروة التي جنيتها بجهدك وعرقك.
هم لم يعرفوا التزامك بالمبدئية حين رفضت عرضا من العقيد الليبي الراحل معمر القذافي للإقامة في قصر فخم في ليبيا، وتمسكك بلبنان الوطن والأم، وأيضا لتكوني أمّا ملتزمة بابنتها في لحظات الشدّة. هكذا اخترت، بلحظة رضا وتصالح مع النفس، أن تبيعي بيتك الخاص، وأن تبدأي رحلة حياة الضنك والشدة والإقامة في الفنادق، لكي تستطيعي أن تؤمّني لابنتك الحبيبة علاجا صحيا مناسبا لحالتها في أحد مصحات ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية.
يبدو أن جميع الذين تندروا بوفاتك على مدى سنوات طويلة لم يعرفوا حقيقتك أبدا. هم لم يختبروا البهجة التي طبعتِ حياتنا بها، ولا تتبعوا خطواتك منذ كنت صبية تتقافز الأعين للقائها، وحتى آخر نَفَسِ لك في الحياة.
في الرصيد الذي تركته لنا 83 فيلما، و27 مسرحية، وأكثر من 3 آلاف أغنية. في الرصيد أيضا، أن صوتك هدر في مسرح الأولومبيا في العاصمة الفرنسية باريس، كثاني فنانة عربية بعد أم كلثوم، وفي دار الأوبرا في سيدني، وفي قاعة ألبرت هول بلندن، وغيرها من الأماكن التي ما تزال تحتفظ برائحتك.
اعذريهم حين يجهلون أعمالك التي أبدعها الرحابنة، وتلك التي طرزتها بالعرق والتعب مع وسيم طبارة وروميو لحود وجوزف عازار وفادي لبنان وكريم أبو شقرا وورد الخال والأمير الصغير ورولا سعد.
هم لن يفهموا. لن يفهموا، فقد ولدوا في الزمن الخاطئ.
على روحك الرحمة، ولا بأس أن نردد معك أغنية للحياة على اتساع مصراعيها:
"ساعات ساعات.. أحب عمري واعشق الحاجات. أحب كل الناس، وأتملى إحساس.. وأحس جوايا بميت نغم.. ميت نغم يملو السكات. أحس أد إيه وحيدة. وأد إيه الكلمة فى لساني ما هيش جديدة. وأد إيه مانيش سعيدة. وإن النجوم.. النجوم بعيدة. وتقيلة خطوة الزمن... تقيلة دقة الساعات. وأحس إن عمري فات.. من غير ما أحب عمري وأعشق الحاجات. غريبة غريبة.. لعبة الساعات".
وداعا صباح.

التعليق