انتفاضة الفقراء

تم نشره في الثلاثاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • شبان فلسطينيون اثناء مواجهات مع الاحتلال في القدس المحتلة.-(ارشيفية)

هآرتس

نير حسون

1/12/2014
بعد نحو خمسين سنة من الاحتلال والضم، ليس هناك من يختلف في أن سكان شرقي القدس يوجدون في أسفل كل سلم قياس اقتصادي – اجتماعي. فباستثناء سكان قطاع غزة، فان هؤلاء هو أغلب الظن السكان المدنيين الأكثر فقرا بين النهر والبحر. عندما نأتي لفحص الاسباب العميقة لموجة الأحداث التي ثارت في شرقي القدس في الصيف الاخير، لا يمكن الا نتناول الوضع الاقتصادي والاجتماعي لسكان المنطقة.
من ناحية قانونية، فان الفلسطينيين في القدس هم مقيمون في اسرائيل وذوو بطاقات هوية زرقاء. وحسب المقاييس الاسرائيلية، فان 75 في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر. ولكن فقر سكان شرقي المدينة أعمق واشد بكثير من الفقر الذي في غربها. ومن تقرير منظمة العمال "معا" يتبين أن الدخل المتوسط للفرد في العائلة الفقيرة في شرقي القدس يبلغ 1.410 شيكل في الشهر. ولغرض المقارنة، فان الدخل المتوسط للفرد الفقير في غربي المدينة يبلغ 2.420 شيكل في الشهر.
  وبين اسباب الفقر يجب ان يدرج ظلم سكان شرقي المدينة تقريبا في كل بند ممكن مقارنة مع غربيها. والظلم يجد تعبيره، أولا وقبل كل شيء في المكانة القانونية للمقيمين – في اغلبيتهم الساحقة هم مقيمون في اسرائيل ذوو بطاقات سفر ، ومعترف بها في السلطة الفلسطينية ايضا. ولكن لا يوجد أي دولة في العالم تعترف بهم كمواطنيها الكاملين.
"هذا الوضع لا يسمح، في اي سيناريو كان، ان يصبحوا سكان مدينة طبيعية"، قال د. أمون رمون الذي ينهي هذه الايام بحثا بتكليف معهد القدس عن مكانة الاقامة. وعلى حد قوله، "اذا كنت تقارن وضعهم بما يحصل في يافا وفي عكا، فانك ترى أن العرب هناك يشكلون 30 في المائة من السكان، ولكن بسبب ان لديهم مواطنة ومستوى عبرية أعلى، فثمة قدر من الاندماج".
 وفضلا عن المكانة القانونية، فان الظلم المؤطر لسكان شرقي القدس يجد تعبيره ايضا في المسائل المتعلقة بالتعليم، التخطيط المديني، البنى التحتية، حرية الحركة، الصحة العامة وحقهم في المياه الجارية. عمليا، فان التمييز والظلم المؤطرين في هذه المجالات موثقين حتى التعب في عدد لا يحصى من التقارير وقرارات المحاكم.
تقرير أعدته جمعية حقوق المواطن قبل نحو سنتين ونصف، اشار الى انهيار اقتصادي حقيقي بدأ في شرقي المدينة في العقد الذي بين 2002 و 2012. في تلك السنين، ارتفعت نسبة الفقر بين سكان شرقي القدس بنحو 20 في المائة الى المعدلات المعروفة اليوم.
 وبين أسباب هذا الانهيار الاقتصادي، يحصي رجال الجمعية عاملين أساسيي: الاول هو اغلاق جدار الفصل حول شرقي القدس في بداية سنوات الـ 2000 .
 فقد أدت هذه الخطوة الى القطيعة الدراماتيكية للمنطقة عن خلفيتها الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية في الضفة الغربية، وأدت الى تدهور اقتصادي دراماتيكي. فليس السوق في الضفة وحده قطع عن شرقي القدس – بل ان فوارق الاسعار ايضا تدفع الفلسطينيين الى اجراء مشترياتهم من خلف جدار الفصل في المناطق التجارية والصناعية التي نمت في العيزرية، قلنديا، رام الله وبيت لحم – بدلا من اجرائها داخل القدس.
الجهاز الصحي في شرقي القدس هو الاخر يعاني أيضا حتى اليوم بشدة من اغلاق السور. فالمستشفيات الفلسطينية الثلاثة التي تعمل في شرقي المدينة تعاني في السنة الاخيرة أزمة اقتصادية حادة تعرض للخطر استمرار عملها، بسبب غياب المرضى من الضفة الغربية.
 وحسب الجمعية، فان السبب الثاني لانهيار شرقي المدينة الاقتصادي، هو الاكتظاظ. فقسم كبير من اراضي شرقي القدس صودر في صالح اقامة احياء يهودية، وأدى النقص في التخطيط المديني الى خرق مجال مديني من الفقر. وحسب مديرة مشروع القدس الشرقية في جمعية حقوق المواطن، رونيت سيلع، فانه "وفقا لحساباتنا فان الاراضي التي للتجارة، للمدارس وللسكن أدت الى انفجارات سكانية لا تتيح لهم العيش".
 وباستثناء منطقة الكراجات في وادي الجوز وصناعة السياحة في البلدة القديمة، لم تقم على مدى كل سنوات السيطرة الاسرائيلية في شرقي القدس منطقة صناعية جديرة باسمها للسكان الفلسطينيين.
 حاتم خويص، مستثمر ونشيط اجتماعي من شرقي القدس، طرح نماذج عن المصاعب التي يواجهها المستثمرون الاقتصاديون في المنطقة: "حاولت انشاء شركة لتوريد خدمات الانترنت. قالوا لي ان في القدس لا أمل بانك لن تحصل على الاذن الامني لها"، روى خويص. "حاولت العمل في مجال الاعلانات، ولكن في شرقي القدس لا تمنح رخص للوحات الاعلان. في غرب المدينة يوجد 300 لوحة ومئات الاف الامتار الاخرى من الاعلانات، أما في شرقي القدس فتوجد لوحة واحدة نجحنا في اقامتها في بيت حنينا بعد الكثير من المصاعب.  وطوال الوقت توجد جلسات وجولات، جلسات وجولات ولكن لا توجد مصلحة. من ناحية الشركات الإسرائيلية، فان الوسط العربي هو من اللد وحتى الناصرة. اما شرقي القدس فمنقطع اقتصاديا عن باقي الدولة".
 يواصل الناطقون بلسان اليمين في البلاد، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التعاطي مع سكان شرقي القدس كاخوة غير أشقاء، ويستغلون كل فرصة للتهديد بسحب حقوقهم. ومؤخرا قال نتتنياهو معقبا على "موجة العنف": "لا يحتمل أن يتمتع اولئك الذين يعملون في الارهاب ضد دولة إسرائيل بحقوق كالتأمين الوطني".
غير أن فحصا عميقا للحقوق التي يتمتع بها سكان شرقي المدينة يبين أنهم على اي حال يتمتعون بحقوق يستحقونها بقدر أقل بكثير من سكان غربي القدس وباقي إسرائيل. هكذا مثلا، يتبين من فحص اجرته "معا" ان 5.75 في المائة فقط من العائلات الفقيرة في شرقي القدس تتلقى ضمان دخل، مقابل 9.22 في المائة في مناطق اخرى في اسرائيل. وهذه العائلات، كما يذكر، هي عائلات افقر بضعفين من تلك التي في اسرائيل. في مؤسسة التأمين الوطني يؤكدون المعطيات، ولكنهم يشيرون الى أنه من ناحية الاعداد المطلقة، فان عدد الاشخاص الذين يتلقون مخصصات في غربي المدينة أعلى فقط بـ 1.000 مما في شرقي المدينة.
"السؤال هو كم من الناس يحتاجون المساعدة"، قال منسق "معا" ايرز فكنر، الذي وضع التقرير. "فاذا كان في غربي المدينة 23 في المئة فقط تحت خط الفقر يكسبون في محيط 5.000 شيكل للعائلة مقابل 77 في المئة من العائلات في شرقي المدينة تكسب 3.000 شيكل فهذا يعني ان عليهم ان يعطوا مخصصات لعدد اوسع بكثير من السكان".
 ويعزو فكنر انعدام استنفاد الحقوق هذا لسياسة مقصوده من فوق لتقليص عدد الفلسطينيين في القدس. "عندما أجد لارى بانه حسب قرارات الحكومة وحسب المخططات الهيكلية للمدينة يجب تخفيض عدد الفلسطينيين في المدينة، وأرى في انه في التأمين الوطني ببساطة يفعلون كل شيء كي لا يتلقوا ما يستحقونه، فهذا يرتبط معا"، يقول فكنر. وبزعمه، فقد خلقت السلطات جهازا بيروقراطيا منفصلا ومتشددا جدا لسكان شرقي القدس. ويأتي التقرير بنماذج لسكان طلب منهم المرة تلو الاخرى تسليم البيانات للتأمين الوطني او لمصلحة التشغيل.
لمسألة العلاقة بين الفقر والعنف تتطرق سيلع، من جمعية حقوق المواطن فتقول: "انا أرى اليأس، يأسا سياسيا ويأسا اجتماعيا اقتصاديا. اناس لا يعرفون كيف يربون هنا اولادهم".
"أنت لا تحتاج الى احتلال كي تجد أن هؤلاء السكان الفقراء جدا والمقموعين جدا سيتفجرون"، يضيف فكنر. " لو كان في شارعي ايضا الكثير من الاولاد دون صفوف ودون وجبة ساخنة ودون مأوى لكانوا سيرشقون الحجارة"، يقول فكنر.
 وجاء من التأمين الوطني التعقيب التالي: "ادعاءات "معا" فحصت من حيث الحقائق المرة تلو الاخرى ولم تتبين دقيقة بأقل تقدير. فالادعاء بشأن السياسة التي تصعب بشكل خاص على العرب من القدس التمتع بالمخصصات التي يستحقونها عديم كل أساس. التأمين الوطني، بما في ذلك فرع شرقي القدس، يعمل باستنفاد حقوق السكان ويفحص استحقاقهم حسب القانون".
  كما جاء من التأمين الوطني بان "المكانة القانونية لسكان القدس تستدعي فحص الاقامة ومركز الحياة كشرط لتلقي الحقوق في التأمين الوطني، وعلى رأسها القوانين المرافقة التي يتحمل التأمين الوطني المسؤولية عنها. يمكن أن نرى ان نسبة الحاصلين على مخصص العيش (ضمان الدخل) في شرقي القدس اعلى بشكل نسبي من الحاصلين على هذه المخصصات في القدس كلها. هكذا مثلا يوجد 3.219 حاصل على ضمان دخل في شرقي المدينة بينما في القدس الغربية كلها يوجد 4.265، اي 1.000 شخص أكثر فقط".

التعليق