عيسى الشعيبي

سلاح النفط في حروب الجيل الخامس

تم نشره في الثلاثاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:04 صباحاً

بعد انقضاء نحو ربع قرن على شيوع مصطلح "حروب الجيل الرابع" ونضوج تعريفات هذه الحرب واكتمال مفهومها النظري، ناهيك عن جلاء تطبيقاتها العملانية، أخذ يتسلل إلى المداولات في الآونة الأخيرة اشتقاق "حروب الجيل الخامس" لينسخ سابقه بتؤدة، ويحل محله على نحو تدريجي، كتوصيف جديد لخاصية الصراع القديم الذي لا نهاية له، وكتطوير ابتكاري لنظرية حرب أخرى بديلة، توائم معطيات مرحلة مختلفة، دخلت باإرهاصاتها وبتقنياتها وأدواتها قيد التشكل للتو.
وكما كان الخبراء الاستراتيجيون الأميركيون هم الآباء المؤسسون لنظرية حروب الجيل الرابع، التي تم وضع أسسها غداة نهاية الحرب الباردة، فإن من المرجح أن يكون هؤلاء الخبراء هم أنفسهم من شرعوا في إرساء المداميك الأولى لعمارة حروب الجيل الخامس، تلك التي أخذت تطبيقاتها العملية تتجلى الآن في ميادين لم يسبق أن جرت فيها قبلاً، بكل هذا الزخم، المؤشر على بداية معركة كسر عظم لا ترحم، قوامها أسعار النفط هذه المرة.
لقد تم وصف حروب الجيل الرابع على أنها الحروب اللامتماثلة، أو غير المتكافئة في ميزان القوة بين الدول المتحاربة، تنشب بين جيش نظامي وبين قوات "لادولاتية" فاعلة، تكون على هيئة تشكيلات عصابية كفؤة، أو كيانات إرهابية مدججة عقائدياً وتسليحياً، يتم استدراجها لزعزعة استقرار الدولة المستهدفة، وإفشالها لاحقاً، ومن ثم فرض واقع جديد عليها، يتماهى مع مصالح الدولة الكبرى، وهي هنا الولايات المتحدة الأميركية.
لقد جرت حروب الجيل الرابع، وهي حروب خفية، في مناطق النزاعات التي تراجع فيها الغزو الأميركي، لا سيما في الشرق الاوسط، حيث كانت أدواتها الناعمة هي الإعلام الجديد، والدعاية، والحرب النفسية، ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن استغلال المعارضات الداخلية، والعمليات الاستخبارية، كما تخلل ذلك كله ضغوط سياسية ومقاطعة اقتصادية، وحصارات وحظر وعمليات عسكرية سرية، على نحو ما شهدته منطقتنا في السنوات الطويلة الماضية.
ويبدو ان حروب الجيل الخامس، التي بدأت نذرها الكثيفة تلوح في الأفق القريب، سوف تكون عابرة للحدود أكثر من سابقتها، تستهدف المؤسسات والكيانات الصغيرة، وتقوم على تحالفات ظرفية بين دول ذات قواسم مشتركة لها عدو واحد، كالتحالف الدولي الراهن ضد تنظيم الدولة الاسلامية، وتطال أعداء وخصوماً للهيمنة الأميركية، على نحو لا يستهدف جيوش مثل أولئك الأعداء الأشداء، وإنما يستهدف مشاريع البنية التحتية، والنظم المصرفية، وسعر صرف العملة الوطنية، والموارد المالية، وخطوط الائتمان والسندات الحكومية وما شابه ذلك.
على هذه الخلفية يمكن قراءة المجزرة الحاصلة في أسعار النفط على أنها فعل يد أميركية خالصة، حتى إن جادل البعض على أن الامر مجرد لعبة أسواق، وعرض ما يكفي من العوامل الوجيهة، التي لا تبرر وحدها كل هذا الانهيار في سعر أهم مادة اولية، وأكثرها تأثيراً في حياة المنتجين والمستهلكين معاً، لا سيما أن هذا الانخفاض المتفاقم في أسعار الذهب الأسود أتى مواكباً للحظة صراع دولي حامي الوطيس، لا تتسع ساحاته إلا لمثل هذه الحروب الصامتة، بعد أن تعذر على المتصارعين استخدام جيوشهم الجرارة وجهاً لوجه.
ومع اشتعال النار في أسعار النفط، يمكن الاستنتاج بأننا نقف اليوم على أعتاب عهد حروب الجيل الخامس، بكل ما تنطوي عليه من وسائل إخضاع جديدة، تخوضها أميركا بكل ضراوة، سواء ضد روسيا التي علقت في شباك الفخ الأوكراني، وفتحت على نفسها أبواب صراع لا تقدر على دفع كلفته طويلاً، أو مع ايران التي تواصل التعلق بأهداب مشروع نووي، يعمّدها كامبراطورية إقليمية مرهوبة الجانب، وهو ما يعتبر كخط أحمر من وجهة النظر الغربية والاسرائيلية.
ومع أنه من غير المعروف الآن ما هو المدى الذي ستمضي فيه حروب الجيل الخامس، التي قد تفضي إلى حروب جيل سادس وربما جيل سابع، فإن من الواضح تماماً أن مادة النفط باتت إحدى أهم أسلحة هذه الحروب اللامركزية في طورها الجديد، وأنها الأداة الأكثر نجاعة في إملاء الإرادة الأميركية، وتجديد نفوذ الدولة العظمى الوحيدة، الذي أخذ في التراجع والاضمحلال البطيء، وراح حتى الأمس القريب، يخلي مكانه لنظام دولي متعدد الأقطاب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نتمنى ان يستمر الانخفاض حتى لو انهارت جميع الدول النفطية العربية (هلا عمي)

    الثلاثاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    نعم امريكا هي راس الافعى في كل المشاكل في الشرق والغرب وهي السبب الرئيسي في هدر كرامة الانسان العربي والمشكلة ان هيمنتها على الدول النفطية غير مسبوقه بالتاريخ حيث انها اجبرت انظمة هذه الدول على توقيع اتفاقيات وعقود لمئات السنين في للحصول على النفط بثمن بخس وهاهي اليوم تستغني عن الانظمة وبترولها معاً
  • »مطلع بس مش فاهم اشي (سامي)

    الثلاثاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    برأيي الشخصي انخفاض اسعار النفط اساسا ليس له علاقة بحرب و كسر عظم و و و و....
    عند تتبع استراتيجية الطاقة للولايات المتحدة الامريكية من 1973 لغاية الان و ما حققته من نجاحات خاصة مؤخرا و بالذات Oil Shells بخفض الاعتماد على البترول المستورد و زيادة انتاج البترول المحلي لديهم و تنويع مصادر الطاقة (تم توفير تقريبا 1\6 ) من الكمية المستوردة سابقا على مستوى اكتر من 300 مليون برميل شهريا السدس ليس بكمية قليلة ابدا طبعا مع تحسن النمو الاقتصادي الامريكي اكبر مستهلك للبترول في العالم مع ارقام نمو الاقتصادات الاسيوية و الاوروبية الضعيفة فموضوع ارتفاع اسعار النفط هو وضع ليس طبيعي استمر تقريبا 5 سنوات الدول التي استفادت استفادت و الدول اللي ما استفادت راحت عليها دول الخليج بنت احتياطيات عملة استفادة منها بشكل ممتاز اما الدول اللي ما عملت شي مثلا روسيا ايران فنزويلا نيجيريا راح يكون انخفاض اسعار النفط عليهم كارثة لاحظ حاليا مع اجتماع عدة عوامل للحالة الروسية خسارة دعم سعر صرف الروبل تجاوزت 140 مليار دولار حتى وصل الموضوع لسحب اموال صناديق تقاعد المواطنين......فاستثمار الولايات المتحدة في و لخلق تكنولوجيا جديدة لاستخراج النفط من مصادر لم يتم الاستخراج منها سيوصلها للاعتماد على الذات حتى موضوع نفط و غاز روسيا او موضوع نفط و غاز الشرق الاوسط سيستمر انخفاض تأثيره في السياسة الخارجية للوالايات المتحدة